شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

نفحات الغفران وشؤم الهجران

أحمد الفيشاوي • التزكية

وتأمل قوله: " غَيْرَ أَنِّي لا أَجِدُ فِي نَفْسِي لأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا ..."، فإنه لما تم تركه للحسد وإعراض قلبه بالكلية عن حال الناس ومنافستهم؛ تمت أمانته ونصيحته للناس، فالحسد منافٍ للنصح والأمانة؛ ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ) ( متفق عليه ) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ شَيْءٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) ( رواه مسلم ) ، فمن كمل تركه للحسد كمل نصحه وأمانته، وهذا من أعظم أسباب المحبة والألفة، والضد يأتي بالضد.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "وبهذا استحق أبو عبيدة -رضي الله عنه- أن يسميه النبي -صلى الله عليه وسلم- أمين هذه الأمة؛ فإنه لم يكن عنده شيء من ذلك البتة، والمؤتمن إذا لم يكن في نفسه مزاحمة على شيء مما اؤتمن عليه كان أحق بالأمانة ممن يُخاف مزاحمته، ولهذا يؤتمن على النساء الخصيان، وعلى الولاية الصغرى من يُعرف أنه لا يزاحم على الكبرى، وعلى المال من يُعرف أنه ليس له غرض في أخذ شيء منه" اهـ بتصرف المصدر السابق .

وقال -رحمه الله-: "فالحاسد المُبغِض للنعمة على من أنعم الله عليه بها ظالمٌ معتدٍ، أما الكاره لفضل غيره عليه المحب لمماثلته فهو منهي عن ذلك إلا فيما يقربه إلى الله، وإعراض قلبه عن هذا بحيث لا ينظر إلى حال الغير أفضل وأكمل" اهـ بتصرف المصدر السابق .

وقال -رحمه الله-: "الحسد مرض غالب لا يكاد يخلص منه إلا قليل من الناس، ولهذا قيل: ما خلا جسد من حسد، ولكن اللئيم يبديه والكريم يخفيه، وقيل للحسن البصري: "أيحسد المؤمن؟"، فقال: "ما أنساك إخوة يوسف، لا أبا لك؟! ولكن عمه في صدرك؛ فإنه لا يضرك ما لم تعد به يدًا أو لسانـًا"، فمن وجد في نفسه حسدًا لغيره فعليه أن يكره ذلك من نفسه، وأن يستعمل معه التقوى والصبر" اهـ بتصرف المصدر السابق .

وبالجملة فالحسد من أعظم أسباب العداوة والفرقة وضياع الدين، كما في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ؛ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، فقرن -صلى الله عليه وسلم- بين الحسد والبغض، وفى الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ) ( متفق عليه ) ، وقال -تعالى- مخبرًا عن حال الأمم السابقة: ( وَمَا تَفَرَّقُوا إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) (الشورى:14) .

وكثيرًا ما يكون سبب الحسد الحرص والطمع، أو طلب السمعة والرياسة، أو الكبر والعلو، وغير ذلك من عوارض حب الدنيا، فأقصر طريق لعلاج هذا المرض؛ معرفة قدر الدنيا، وسرعة زوالها، واضمحلال أمرها، والاعتبار بذلك، قال -تعالى-: ( مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ) (النساء:77) ، وقال: ( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (آل عمران:185) ، وقال: ( بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) (الأعلى:16-17) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلاَّ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا وَالاَهُ، أَوْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) ، وقال: ( وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ) (رواه مسلم) ، والآثار في ذلك لا تكاد تحصى.

قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "ومنشأ جميع ذلك إنما هو حب الدنيا؛ فإن الدنيا هي التي تضيق على المتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، بل ما عند الله من نعيم الجنة والنظر إليه -عز وجل- ليس فيه مزاحمة، ولا يضيق بعض الناظرين على بعض" اهـ بتصرف مختصر منهاج القاصدين .

ثانيًا: الكبر:

قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "الكبر خُلق باطن، وهو رؤية النفس فوق الغير في صفات الكمال؛ فيظهر عند ذلك على الجوارح أعمال هي ثمرة ذلك الخُلق، وبهذا ينفصل الكبر عن العجب؛ فإن العجب لا يستدعي وجود غير المعجب، حتى لو قدر أن يعيش إنسان وحده لكان يُتصور أن يكون معجبًا، ولا يتصور أن يكون متكبرًا إلا أن يكون معه غيره.

وآفة الكبر عظيمة، وفيها يهلك خواص الناس قبل عوامهم، وقلما ينفك عنه العُباد والزهاد والعلماء، وكيف لا تعظم فتنته وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) (رواه مسلم) ؟!" اهـ بتصرف المصدر السابق .

وإنما صار الكبر مانعًا من دخول الجنة؛ لأن حقيقته تكبُّر على رب العباد -عز وجل- الذي جعل هذا المتكبر واحدًا من هؤلاء الناس الذين يتكبر عليهم، والجميع عبيد له -عز وجل-، فمن تكبَّر على الناس فكأنه لا يرضى لنفسه أن يكون أخًا لهؤلاء في مقام العبودية، بل يرى نفسه أهلاً لمزيد خصوصية عن هؤلاء، وهذا هو عين الكبر؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْعِزُّ إِزَارُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ ) (رواه مسلم) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْْءٍ مِنَ الصِّغَارِ حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ بُولَسُ، فَتَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّار ِ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) ، لما رأوا أنفسهم أعظم وأعلى من عباد الله في الدنيا جعلهم الله -تبارك وتعالى- في أحط وأسفل المنازل في الآخرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية