نفحات الغفران وشؤم الهجران
أحمد الفيشاوي • التزكية
ولو لم يكن في الكبر سوى هذا لكفى، فكيف وهو يثمر أمراضًا أخرى كلها تؤدي إلى المهالك والمعاداة والشحناء -والعياذ بالله-؟!
قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "وإنما صار الكبر حجابًا دون الجنة؛ لأنه مع قبحه في نفسه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين، فلا يقدر صاحبه أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ولا يقدر على التواضع وترك الحقد والحسد والغضب، ولا على كظم الغيظ وقبول النصح، ولا يسلم من الازدراء بالخلق واغتيابهم، إلى غير ذلك من لوازمه؛ فما من خلق ذميم إلا وهو مضطر إليه" اهـ بتصرف المصدر السابق .
وقال -رحمه الله-: "ومن شر أنواع الكبر ما يمنعه من استفادة العلم وقبول الحق، كما قال -تعالى- عن فرعون وقومه: ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) (النمل:14) ، وقال -تعالى- عنهم أيضًا: ( فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا ) (المؤمنون:47) ، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك وشرحه فقال: ( الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) ( رواه مسلم ) ، فبَطَرُ الْحَقِّ: رده وتكذيبه، وعدم قبوله، وَغَمْطُ النَّاسِ: احتقارهم واستصغارهم" اهـ بتصرف المصدر السابق .
فالكبر يعمي القلب والبصيرة، ويسلب صاحبه الصدق والعدل، والمتكبر ترضيه الكلمة التي فيها تعظيمه ولو بالباطل، وتغضبه الكلمة التي فيها ذمه ولو كانت حقـًّا، والمؤمن ترضيه كلمة الحق له وعليه، وتغضبه كلمة الباطل له وعليه.
وأصل الكبر جهل العبد بنفسه، وجهله بربه -عز وجل-، فمتى عرف العبد دناءة نفسه ونقصها، وكمال ربه وعظمته؛ سهل عليه التواضع جدًّا، بل كان ذلك سجية له لا كلفة له فيها، فهذا أقصر الطرق لعلاج هذا المرض واستئصاله.
قال الإمام المقدسي -رحمه الله-: "فإنه إذا عرف نفسه حق المعرفة علم كم هو ذليل، ويكفيه أن ينظر في أصل وجوده من نطفة خرجت من مجرى البول، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم صار شيئًا بعد أن لم يكن شيئًا مذكورًا، فكان قبل ذلك جمادًا لا يسمع ولا يبصر ولا يحس، وأبوه الأول خلقه الله من تراب، وكان قبل ذلك عدمًا محضًا، فمَن هذا بدايته فأي وجه لكبره وعلوه؟!
على أنه لو دام له الوجود كما يريد ويختار لكان لتكبره مساغ، لكنه يضعف، ويمرض، ويعجز، وينسى، فبينما بنيانه قد تم إذ هو قد وهى وتهدَّم، وبينما هو غني إذ هو فقير، وبينما هو يذكر الشيء ينساه، ويروم الشيء فلا يدركه، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا.
هذا أوسط حاله، وذاك أوله، وأما آخره فالموت الذي يعيده جمادًا كما كان، ثم يُلقى في التراب فيصير جيفة منتنة، وتبلى أعضاؤه، وتنخر عظامه، ويأكل الدود أجزاءه، ويعود ترابًا يعمل منه الكيزان، ويعمر منه البنيان، ثم بعد طول البلى تُجمع أجزاؤه المتفرقة، ويحضر القيامة على خوف وشكٍّ من عاقبته، فمن هذا حاله كيف له أن يستعلي ويتكبر؟!
أما معرفته بربه فيكفيه أن ينظر في آثار قدرته، وعجائب صنعته، فتلوح له العظمة، وتظهر له المعرفة، فهذا هو العلاج القالع لأصل الكبر" اهـ بتصرف المصدر السابق .
ثالثـًا: الجهل وقلة العلم:
فإن الإنسان قد تسوء أخلاقه ومعاملاته لا عن قصد ولا كبر وحسد؛ بل بسبب قلة علمه، وجهله بحقوقه وواجباته، وما يلزمه في هذا الموقف أو ذاك، فيقصر في حقوق الخلق، أو يُلزمهم بما ليس بواجب عليهم، أو يطالبهم بما ليس بحقه ونحو ذلك، فينشأ عن ذلك أنواع من الخصومات والمشاحنات ما كان يُستدرك بطلب العلم، فالعلم نور وبركة وعصمة، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: ( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
ولَنِعْمَ ما قال الإمام مالك -رحمه الله-: "إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار انتشرت الأهواء".
فهذه إشارة إلى جذور الشحناء وأسبابها وطرق علاجها، نسأل الله الكريم الرحيم أن يشفي قلوبنا، ويذهب وحر صدورنا، وأن يصلح ذات بيننا ويتوب علينا، ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.