شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حقيقة دعوة المسيح -عليه السلام- في الأناجيل

أحمد يحيى وزير • مذاهب فكرية في الميزان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كانت دعوة المسيح -عليه السلام -هي عبادة الله وحده لا شريك له، وأنه عبد الله ورسوله، أرسله الله إلى بني إسرائيل مصدقـًا لدعوة موسى -عليه السلام-، وناسخًا لبعض أحكام "التوراة" مع تصديقها في أصول التوحيد.

لم يدّع المسيح قط أنه هو الله، أو ابن الله، أو أنه إله أو نصف إله أو ليس بإنسان، بل منذ ولادته المعجزة ودعوة التوحيد لم تفارق لسانه مصرحًا بها بين بني إسرائيل؛ قال -تعالى-: ( فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا . يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا . فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا . ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ . مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ . وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) (مريم:27-36) .

فـ"المسيح" -عليه السلام- لم يكن إلا بشرًا رسولاً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يمرض ويتعب، ويجوع ويعطش، ويتعبد لربه، شأنه شأن رسل الله السابقين -عليهم السلام-؛ قال -تعالى-: ( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (المائدة:75) .

وبالرغم من تحريف "الأناجيل" المعتمدة لدى النصارى وشيوع العقائد المنحرفة بين صفحاتها، إلا أنه قد بقي فيها بعض بقايا دعوة المسيح -عليه السلام-، والتي تثبت إنسانية "المسيح" -عليه السلام- ورسالته، وتقطع ببطلان ما يدعيه النصارى من القول بألوهيته.

ونستطيع أن نقول أنه لا يوجد نص واحد صريح في شيء من "الأناجيل" يدعي فيه "المسيح" أنه إله حق أو أنه من جوهر الله أو أنه ليس بإنسان.

كذلك لا يوجد نص واحد صريح يثبت أن أحدًا عبد "المسيح" ولا حتى تلامذته، بل جميع معاصريه لم يكونوا يعتقدون أكثر من نبوته.

كذلك لا يوجد نص واحد صريح عن "التثليث" إلا في رسالة "يوحنا الأولى 5/7"، ورسالة "بطرس الأولى" إلى "تيموثاوس" "3/16"، والنصان مطعون في صحة نسبتهما من قـِبَل محققي النصارى مثل: القس "جيمس أنِس"، ومحققي الرهبانية اليسوعية.

دعوة المسيح -عليه السلام -في الأناجيل:

النصوص الصريحة عن دعوة المسيح -عليه السلام-:

منها: نصوص تصرح بنبوته:

مثل ما ذكره إنجيل "متى 13/57": "وأما يسوع فقال لهم: ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وفي بيته"،

وفي "إنجيل لوقا 4/24": "وقال: الحق أقول لكم إنه ليس نبي مقبولاً في وطنه".

ولما خوَّفه "الفريسيون" من "هيرودس" قال لهم: "بل ينبغي أن أسير اليوم وغدًا وما يليه؛ لأنه لا يمكن أن يهلك نبي خارجًا عن "أورشليم". يا "أورشليم" يا "أورشليم" يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين... "؛ فشهد لنفسه بالنبوة وخاف من مصرعه في "أورشليم" كما صرع فيها غيره من الأنبياء، فغادرها قائلاً: يا "أورشليم" يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين. ولم يقل: يا قاتلة الإله!

ومنها: نصوص تصرح بإنسانيته:

ومن أصرحها: قوله عن نفسه: "وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله". "يوحنا 8/40" .

وكذلك ما جاء في "إنجيل مرقس14/21": "ابن الإنسان ماضٍ كما هو مكتوب".

وفي "إنجيل متى 16/13": "ولما جاء يسوع إلى نواحي "قيصرية فيلبس" سأل تلاميذه قائلاً: من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان".

وفي "إنجيل لوقا 11/30": "لأنه كما كان "يونان" آية لأهل "نينوى"، كذلك يكون ابن الإنسان -أيضًا- لهذا الجيل".

وفي "إنجيل يوحنا 12/23": "وأما يسوع فأجابهما قائلاً: قد أتت الساعة؛ ليتمجد ابن الإنسان".

ومنها: نصوص تنفي عنه صفات الإله، وتفرق بينه وبين الله:

ومن أشهرها: ما جاء في "إنجيل يوحنا 17/3": "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك، أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته".

وفي "إنجيل متى 19/17": "فقال له: لماذا تدعوني صالحًا ليس أحد صالحًا إلا واحد، وهو الله".

وفي "إنجيل مرقس 12/29": "فجاء واحد من الكتبة وسمعهم يتحاورون، فلما رأى أنه أجابهم حسنـًا سأله: أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد، وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك، هذه هي الوصية الأولى".

اعتقاد بني إسرائيل في "المسيح" -عليه السلام-:

فهذه النصوص صريحة جدًّا أن "المسيح" لم يكن إلا عبدًا لله أكرمه الله بالنبوة والرسالة، بل لقد كان الاعتقاد السائد زمن "المسيح" -عليه السلام- هو القول بنبوته فقط دون ادعاء الألوهية من أحد من أصحابه أو من أعدائه؛ فحواريوه لم يعرفوا عنه إلا كونه نبيًّا، وأما اليهود فقد كذبوه في ادعاء النبوة، ولم يخطر ببالهم ولا بباله -أصلاً- ادعاء الألوهية.

فاليهود لاحقوه واضطهدوه، وطلبوا منه ما يبين صدق ادعائه، فأخبرهم أنه لن تأتيهم إلا آية مثل آية "يونان" النبي -"يونس" عليه السلام-، كما يذكر "إنجيل متى 12/38-39": "أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين: يا معلم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرير وفاسق يطلب آية، ولا تعطى له إلا آية "يونان" النبي". ولو كان يدعي الألوهية وأن يؤمنوا بأنه ابن الله ما رضوا منه بمثل آية "يونان" النبي، ولطالبوه بآية أعظم من آيات الأنبياء.

الصفحة التالية