شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حقيقة دعوة المسيح -عليه السلام- في الأناجيل

أحمد يحيى وزير • مذاهب فكرية في الميزان

ولما أراد اليهود قتله كانت جريمته عندهم دعوى النبوة لا الألوهية، فقد قالوا لنيقوديموس: "ألعلك أنت -أيضًا- من "الجليل"؟ فتش وانظر، إنه لم يقم نبي من "الجليل" "يوحنا 7/52" ، فهم يكذبون "المسيح" -عليه السلام -في دعواه النبوة؛ لأنه لم يسبق أن أتى نبي من "الجليل" التي هو منها.

والذين عاشروا "المسيح" -عليه السلام- وعاينوه ما علموا عنه أكثر من كونه نبيًّا، كما في قصة المرأة السامرية التي رأت معجزات "المسيح"، كما يذكر "إنجيل يوحنا 4/19": "قالت له المرأة: يا سيد أرى أنك نبي". فما صحح لها "المسيح" ذلك المعتقد، ولم يعنفها على ذلك، ولم يعلمها أن خلاصها يكون بغير ذلك.

والأعمى الذي شفاه "المسيح" -عليه السلام- بإذن الله شهد بنبوة "المسيح" أمام الناس، كما في "يوحنا 9/17": "قالوا -أيضًا- للأعمى: "ماذا تقول أنت عنه من حيث أنه فتح عينيك؟ فقال: إنه نبي".

وكذلك الجموع التي استقبلته لما دخل "أورشليم" كانت تعتقد نبوته فقط: "ولما دخل "أورشليم" ارتجّت المدينة كلها قائلة من هذا؟ فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من "ناصرة الجليل" "متى:21/10-11" .

وكذلك كان اعتقاد كل من شهد معجزات المسيح -عليه السلام-:

ففي "إنجيل يوحنا 6/14": "فلما رأى الناس الآية التي صنعها يسوع قالوا: إن هذا هو بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم".

وفي "إنجيل متى 14/5": "ولما أراد أن يقتله خاف من الشعب؛ لأنه كان عندهم مثل نبي".

وفي "متى 21/45-46": "ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا أنه تكلم عليهم. وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع؛ لأنه كان عندهم مثل نبي".

بل إن الشيطان نفسه لم يكن يعلم شيئًا عن ألوهية "المسيح" -عليه السلام-؛ ولذلك جربه ثلاث مرات، وفي إحداهن طلب منه أن يسجد له كما في "إنجيل متى 4/8-10": "ثم أخذه -أيضًا- إبليس إلى جبل عالٍ جدًّا وأراه جميع ممالك العالم ومجدها، وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي. حينئذ قال له يسوع: اذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد".

ففي هذا النص يعلم الشيطان أنه مجرد إنسان لا أنه إله، ولذلك؛ جربه بأن طلب منه أن يسجد له، ويقر "المسيح" ويعترف أنه لا يسجد إلا لإلهه ولا يعبد إلا إياه، ولو كان إلهًا؛ لما جربه الشيطان، وما تجرأ أن يطلب منه السجود له، ولا أن يعده أن يعطيه جميع ممالك العالم، ولو حدث؛ لاكتفى "المسيح" أن يخبره أنه هو الإله، وأنه صاحب هذه الممالك كلها، لكن كل هذا لم يحدث.

هل كان الاعتقاد بألوهية "المسيح" سرًّا بينه وبين الحواريين؟

لعل بعض النصارى يظن أن اعتقاد الألوهية كان سرًّا بين المسيح وبين تلامذته، وهذا الادعاء ليس هناك ما يدل عليه من نصوص "الأناجيل"، بل لقد ورد ما يخالفه وينقضه، ففي "إنجيل يوحنا 18/19-20": "فسأل رئيس الكهنة يسوع عن تلاميذه وعن تعليمه. أجابه يسوع: أنا كلمت العالم علانية، أنا علّمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائمًا، وفي الخفاء لم أتكلم بشيء".

يعلق القمص "عبد المسيح بسيط" على ذلك في كتابه: "أبو كريفيا العهد الجديد" بقوله: "لم يكن للمسيح أي تعليم سري" اهـ .

وعلى فرض أنه كان سرًّا بينه وبين التلامذة، فلماذا يخفي على الناس اعتقاد فيه خلاصهم ونجاتهم؟

وهل كان يخفى على "يوحنا المعمدان" كذلك -يحيى عليه السلام-، ففي "إنجيل متى 11/2-3": "أما يوحنا فلما سمع في السجن بأعمال "المسيح" أرسل اثنين من تلاميذه. وقال له: أنت هو الآتي أم ننتظر آخر"؟ فهل خفيت ألوهيته على "يوحنا المعمدان" الذي قام بتعميده وبشر به وصدقه؟ بل هذا دليل على أنه لم يكن يعلم عنه أكثر من كونه نبيًّا إلى بني إسرائيل.

وإذا خفي على الناس فهل خفي على أمه -أيضًا-؟ ففي "إنجيل لوقا 2/43-50": "وبعد ما أكملوا الأيام بقي عند رجوعهما الصبي يسوع في "أورشليم"، ويوسف وأمه لم يعلما. وإذ ظناه بين الرفقة ذهبا مسيرة يوم، وكانا يطلبانه بين الأقرباء والمعارف. ولما لم يجداه رجعا إلى "أورشليم" يطلبانه. وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل جالسًا في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم. وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته. فلما أبصراه اندهشا وقالت له أمه: يا بنيّ لماذا فعلت بنا هكذا؟، هو ذا أبوك، وإنا كنا نطلبك معذبين. فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون فيما لأبي؟ فلم يفهما الكلام الذي قاله لهما".

فهل علمت أمه أنه ابن الله؟

ولماذا نسبته أمه في هذا النص إلى "يوسف النجار"؟

وهل أنكر عليها أن ينسب إلى "يوسف"؟ أم أنكر عليهما الجد في البحث عنه؟

وربما يعترض البعض فيقول: لكن "المسيح" صرح هاهنا أنه ينبغي أن يكون فيما لأبيه، وهو بالقطع لا يقصد يوسف ولذلك لم يفهم كلامه، فلم يكن قصده إلا الله.

ونقول: نعم قد كان هذا قصده، لكن هذا النص كالنص الآخر الذي تحدث به "المسيح" إلى "مريم المجدلية" بقوله: "ولكن اذهبي إلى إخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم" "يوحنا:20/17" .

فالأبوة هنا مجازية محضة، مثل ما ورد في "إنجيل متى 5/9": "طوبى لصانعي السلام؛ لأنهم أبناءَ الله يُدعون"، وما ورد في "متى 5/48": "فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل"، وغير ذلك من النصوص، وليس هذا موضع بسط ذلك، ولكن المقصود أن المسيح كان يعلِّم الناس علانية، ولم يكن له أي تعليم سري.

عقيدة "الحواريين" في "المسيح" -عليه السلام-:

ولذلك فأقرب تلامذة "المسيح" وأخص أصحابه "بطرس" وقف يخطب في الناس قائلاً: "أيها الرجال الإسرائيليون اسمعوا هذه الأقوال: يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما أنتم -أيضًا- تعلمون" "أعمال الرسل:2/22" .

فلم يشر في خطبته المهمة تلك التي كان مؤيدًا فيها من "الروح القدس" إلى ناسوت ولا لاهوت ولا إله متجسد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية