حقيقة دعوة المسيح -عليه السلام- في الأناجيل
أحمد يحيى وزير • مذاهب فكرية في الميزان
بل حتى بعد "الصلب" المزعوم لما ظهر "المسيح" -عليه السلام- لرجلين من أصحابه قد حزنا بسبب ما تردد عن صلبه سألهما عن سبب حزنهما فقالا: "يسوع الناصري الذي كان إنسانًا نبيًّا مقتدرًا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت، وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" "لوقا 24/19-21" ؛ فظل الاعتقاد بنبوة "المسيح" -عليه السلام- هو الاعتقاد بين تلامذته في حياته وبعد صلبه المزعوم.
وقد شهد القرآن بعقيدة "الحواريين " لما دعاهم المسيح -عليه السلام-، فقال الله -تعالى-: ( وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ ) (المائدة:111) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ) (الصف:14) .
ويعترف "بطرس قرماج" في كتابه "مروج الأخبار في تراجم الأبرار": أن "بطرس" و"مرقس" كانا ينكران ألوهية "المسيح" -عليه السلام-.
ويقول "عوض سمعان": "إن المتفحصين لعلاقة الرسل الحواريين بـ"المسيح" -عليه السلام-؛ يجد أنهم لم ينظروا إليه إلا على أنه إنسان؛ لأنهم كيهود كانوا يستبعدون أن يظهر الله في هيئة إنسان، نعم كانوا ينتظرون "المسيّا"، لكن "المسيّا" بالنسبة إلى أفكارهم التي توارثوها عن أجدادهم لم يكن سوى رسول ممتاز يأتي من عند الله، وليس هو بذات الله" اهـ .
خلاصة القول:
عقيدة المسيح -عليه السلام -وحوارييه أنه كان نبيًّا رسولاً ختم الله به أنبياء بني إسرائيل، وكانت دعوته لهم خاصة، كما جاء في القرآن الكريم: ( وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ) (المائدة:46) ، وقال -تعالى-: ( وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ . وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ ) (آل عمران: 48-51) .
وقال -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) (الصف:5) .
وهذا المعنى جاء مقررًا في "الأناجيل"؛ مثل ما ورد في "إنجيل متى10/6": "لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة"؛ فلو كان إلهًا لما كان خاصًا بأمة دون أمة.
وكذلك ما جاء في "إنجيل لوقا 1/32-33": "فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم؛ لأنك قد وجدت نعمة عند الله. وها أنت ستحبلين وتلدين ابنـًا وتسمينه: "يسوع". هذا يكون عظيمًا وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية". فهذا يشهد أنه رسول خاص ببني إسرائيل، وليس إلهًا خاصًا بهم.
هكذا كان المسيح عيسى -عليه السلام -؛ كما قال الله -تعالى- عنه: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً. لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا ) (النساء:171-172) .
فدلت الآية على أن "المسيح" عيسى -عليه السلام -عبد الله؛ ردًا على النصارى الذين غلوا فيه وادعوا ألوهيته، وعلى أنه رسول لله؛ ردًا على مزاعم اليهود الذين جفوا فيه وسلبوه رسالته.
وقوله -تعالى-: ( وَكَلِمَتُهُ ) أي: كان بكلمة الله، كما في الآية الأخرى: ( قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (آل عمران:47) ، فسمي عيسى: "كلمة الله"؛ لأنه كان بكلمة الله التي هي: "كن".
وقوله -تعالى-: ( وَرُوحٌ مِّنْهُ ) أي: من عنده كما في قوله -تعالى-: ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ) (الجاثية:13) .