وقفات حول الحسد
ياسر عبد التواب • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالحسد من الأمراض الشيطانية الخبيثة التي تهلك الحاسد والمحسود، قال معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-: "كل الناس أقدر على رضاه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها".
الحاسد عدو لا يمكن إزالة عداوته، ولذلك قيل:
كل العداوة قد ترجى إماتتها إلا عداوة من عاداك من حسد
فالحاسد يظلم نفسه بكمدها وضيقها كلما رأى النعم مع المحسود، فلا يقر لنفسه قرار، ولا يهدأ له بال، بينما المحسود يهلك لكونه مظلوم.
الحسد أول ذنب:
الحسد أول ذنب عصي الله به في السماء، وأول ذنب عصي به في الأرض؛ فأما في السماء فحسد إبليس لآدم، وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل.
قال الحسن -رحمه الله-: "ما رأيتُ ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نغص دائم، وحزن لازم، وعبرة لا تنفد".
ولأبي العتاهية في الناس:
فـيا رب إن الناس لا ينصفونني فـكـيف ولو أنـصفتهم ظـلموني
وإن كان لي شيء تصدوا لأخذه وإن شئت أبغي شيئهم منعوني
وإن نالهم بذلي فلا شكر عندهم وإن أنا لم أبـذل لـهـم شـتموني
وإن طـرقـتـني نـكبة فـكهوا بها وإن صحبـتـنـي نعـمة حسدوني
سـأمـنع قـلـبي أن يـحـن إليـهـم وأحجـب عنهم ناظري وجفوني
الحسد أصل المعاصي:
قال القرطبي -رحمه الله-: "قال بعض أهل التفسير في قول الله -تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ) (فصلت:29) ، إنه إنما أراد بالذي من الجن إبليس، والذي من الإنس قابيل؛ وذلك أن إبليس كان أول من سنَّ الكفر، وقابيل كان أول من سنَّ القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد، وقال الشاعر:
إن الغـراب وكان يـمشي مـشـية فيما مضى من سالف الأحوال
حسد القطاة فرام يمشي مـشيها فأصـابه ضـرب مِـن التـعـقـال
قال -تعالى- في شأن أهل الحسد: ( إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (آل عمران:120) .
أسباب الحسد:
1- العداوة والبغضاء.
2- التعزز، وهو أن يثقل على الحاسد ترفـُّع المحسود عليه.
3- الكبر.
4- التعجب.
5- الخوف من فوات المصالح، كالمتزاحمين على مقصود واحد.
6- حب الرياسة.
موسوسون في الحسد:
بعض الناس مبتلى بالوسوسة فهو يظن دومًا أنه محسود، كلما فشل في شيء اتهم الحسد، وكلما ابتلي بمرض أو فسد ما بينه وبين أهله، أو وقع ضحية إشكال أو حتى اتهم بالتقصير في شيء أرجع ذلك كله إلى الحسد، وتراه يبحث دومًا عن أولئك الحاسدين؛ ليصُبّ جام غضبه عليهم، ويشتكي إلى الناس وربما إلى الله من تكالبهم عليه، وتواطئهم على إيذائه!
وهذا السلوك يحمل كمًا لا بأس به من سوء الظن بالناس؛ فترى صاحبه لا يفتأ يظن بكل من رآه أو اطلع على نعمة عنده أنه سيحسده أو حسده بالفعل، وربما جره ذلك إلى معاداة الحاسدين في ظنه، فيجلب على نفسه أبوابًا من العداء والأذى، كما أن ذلك السلوك ينافي التوكل على الله -تعالى-، وبالقدر الذي يحمل شيئًا من سوء الأدب مع الله.
أما تنافيه مع التوكل؛ فإن الموسوس بالحسد يتعلق قلبه بغير الله يخشاه ويرهبه.
أما سوء أدبه مع الله؛ فإن علامة ذلك أن تراه ناقمًا متوجسًا ظانـًا بالناس السوء، وكأن الله -تعالى- لم يخلق صاحب نعمة إلا هو! بالرغم من أن الدنيا فانية وإلى زوال، فلو أخذ المسلم حظه من الزهد في هذه الدنيا وتحقير أمرها لما بلغ هذه الدرجة من الوسوسة.
عودة إذن إلى ذكر الله وإلى إحسان الظن بالناس، وإلى الزهد في الدنيا.. كل ذلك سيبعدك عن الوسوسة في الحسد.
الحسد نوعان:
ونحن هنا في كلامنا عن الحسد نقصد به النوع المذموم منه؛ فالحسد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا، وهو أسوأ الخصلتين، وهذا النوع الذي ذمه الله -تعالى- في كتابه بقوله: ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (النساء:54) ، وإنما كان مذمومًا؛ لأن فيه إساءة أدب مع الحق -سبحانه-، وكأنه أنعم على من لا يستحق.
وأما النوع المحمود: فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ( لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ ) (متفق عليه) ، وهذا الحسد معناه: الغبطة، وكذلك ترجم عليه البخاري: "باب الاغتباط في العلم والحكمة". وحقيقتها: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة، ولا يزول عنه خيره، وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة، ومنه قوله -تعالى-: ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (المطففين:26) .
العين والحسد حق:
أخرج البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الْعَيْنُ حَقٌّ )، وفي رواية: ( وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ) (رواه مسلم) .
وأخرج الطبري: قال معمر: وسمعت ابن طاوس يحدث عن أبيه، قال: ( الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ وَإِذَا اسْتُغْسِل أَحَدكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ ) أي: إن طـُلب منه الاغتسال في الحسد فليفعل، وروى مسلم نحوه.