شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

وقفات حول الحسد

ياسر عبد التواب • التزكية

وعن سهل بن حنيف أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَرَجَ وَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعْبِ الْخَرَّارِ مِنَ الْجُحْفَةِ اغْتَسَلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ -وَكَانَ رَجُلاً أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ وَالْجِلْدِ- فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلاَ جِلْدَ مُخْبَأَةٍ. فَلُبِطَ بِسَهْلٍ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي سَهْلٍ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَمَا يُفِيقُ. قَالَ: ( هَلْ تَتَّهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ )؟ قَالُوا: نَظَرَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: ( عَلاَمَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ هَلاَّ إِذَا رَأَيْتَ مَا يُعْجِبُكَ بَرَّكْتَ ). ثُمَّ قَالَ لَهُ: ( اغْتَسِلْ لَهُ ). فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ الْمَاءُ عَلَيْهِ يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلْفِهِ ثُمَّ يُكْفِئُ الْقَدَحَ ورَاءَهُ فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

وروى البزار عن جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَتِي بَعْدَ كِتَابِ الله وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِالأَنْفُسِ ) (رواه الطيالسي والبزار، وحسنه الألباني) ، قال البزار: "يعني: بالعين".

وقالت أسماء بنت عميس للنبي -صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ تُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ فَقَالَ: ( نَعَمْ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

كيفية وقوع الحسد:

قال ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: "ولا ريب أن الله -سبحانه- خلق في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواصَّ وكيفيات مؤثرة، ولا يُمكن لعاقل إنكارُ تأثيرِ الأرواح في الأجسام، فإنه أمر مشاهد محسوس، وأنت ترى الوجه كيف يحمر حمرةً شديدة إذا نظر إليه من يحتشِمُه ويستحي منه، ويصفر صفرةً شديدة عند نظر من يخافُه إليه، وقد شاهد الناسُ من يسقم من النظر وتضعُف قواه، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح، ولشدة ارتباطها بالعين ينسب الفعل إليها، وليست هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح، والأرواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها.

فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذى بينـًا، ولهذا أمر الله -سبحانه- رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ به من شره، وتأثير الحاسد في أذى المحسود أمر لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيف بكيفية خبيثة، وتقابل المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بهذا الأفعى، فإن السم كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها، انبعثت منها قوة غضبية، وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها: ما تؤثر في طمس البصر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأبتر، وذي الطُّفيتين من الحيات: ( فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَالَى ) (متفق عليه) .

ومنها: ما تؤثر في الإنسان كيفيتُها بمجرد الرؤية من غير اتصال به، لشدة خبث تلك النفس، وكيفيتها الخبيثة المؤثرة، والتأثير غير موقوف على الاتصالات الجسمية، كما يظنه من قلَّ علمه ومعرفته بالطبيعة والشريعة، بل التأثير يكون تارةً بالاتصال، وتارة بالمقابلة، وتارة بالرؤية، وتارة بتوجه الروح نحو من يُؤثر فيه، وتارة بالأدعية والرقى والتعوذات، وتارة بالوهم والتخيل، ونفس العائن لا يتوقفُ تأثيرها على الرؤية، بل قد يكون أعمى، فيوصف له الشيء، فتؤثر نفسه فيه، وإن لم يره، وكثير من العائنين يؤثر في المعين بالوصف من غير رؤية، وقد قال -تعالى-: ( وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ ) (القلم:51) .

فكل عائن حاسد، وليس كل حاسد عائنًا، فلما كان الحاسد أعم من العائن، كانت الاستعاذة منه استعاذة من العائن، وهي سهام تخرج من نفس الحاسد والعائن نحو المحسود والمعين تُصيبه تارة وتُخطئة تارة، فإن صادفته مكشوفـًا لا وقاية عليه، أثرت فيه، ولابد، وإن صادفته حذرًا شاكِيَ السلاح لا منفذ فيه للسهام، لم تؤثر فيه".

الحسد بضاعة أهل الكتاب:

مع استضعاف أهل الكتابين لأمتنا في هذه الأيام تجد جليًا ذلك الحسد في أفعالهم وأقوالهم فما سعيهم لتغيير مناهجنا الدراسية والدينية، وما منعهم الحجاب ومحاربته في بلادهم وبلادنا إلا صورة أخرى من صور الحسد.

يحسدوننا على تاريخنا وفخرنا به وهم ليسوا أصحاب تاريخ؛ وعلى شريعتنا وتمسكنا بها وهم يستحون من نصوصهم المحرفة في كتبهم؛ ويزعجهم ذلك الترابط الأسري لدينا؛ فيسعون لتفكيك الأسر وإشاعة الفرقة والاختلاف بين أفرادها، ويؤذيهم عفة بناتنا وطهر نسائنا؛ فيسعون لإشاعة الفواحش عسى أن يضلوا مجتمعاتنا كما ضلوا هم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية