وقفات حول الحسد
ياسر عبد التواب • التزكية
قال -تعالى-: ( وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ) (البقرة:109) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الحديد:28-29) .
قال قتادة: "حسد أهل الكتاب المسلمين فنزلت: ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ... )" الآية.
قال مجاهد: "قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبي يقطع الأيدي والأرجل. فلما خرج من العرب كفروا؛ فنزلت: ( لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ... ) أي: ليعلم أهل الكتاب. (أن لا يقدرون) أي: أنهم يقدرون".
حسد الجن للأنس:
صح عن أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة فقال: ( اسْتَرْقُوا لَهَا، فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ ) (متفق عليه) ، قال النووي: "يعني بوجهها صفرة". قال الحسين بن مسعود البغوي: "وقوله: سفعة أي: نظرة، يعني من الجن يقول بها عين أصابتها من نظر الجن أنفذ ممن آذته الرماح". قال ابن القيم -رحمه الله-: "العين عينان: عين إنسية وعين جنية".
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من أعين الجن وأعين الإنس، ولولا ظان الجن تصيب الإنسان بالعين لما تعوذ النبي -صلى الله عليه وسلم- منها، والجن تنظر إلي عورة وجسم الإنسان إذا دخل الحمام "المرحاض- الكنيف"، أو عندما يبدل ثيابه فتصيبه بالعين كما جاء في الحديث.
الوقاية من حسد الجن:
في حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا: بسم الله ) (رواه الطيالسي، وصححه الألباني) . وفي رواية عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( سِتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللَّهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
الفرق بين العائن والحاسد:
قال ابن القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد: "العائن والحاسد يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء، فيشتركان في أن كلاً منهما تتكيف نفسه، وتتوجه نحو من يريد أذاه، فالعائن، تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته، والحاسد: يحصل له ذلك عند غيبة المحسود وحضوره، ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده: من جماد، أو حيوان، أو زرع أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه، وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق، فمع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين" اهـ .
فالحاصل أن الحاسد هو: الذي يحزنه ما يرى في المحسود من النعمة والخير، والصحة والمنزلة الراقية فيحقد عليه، ويغتم لذلك، ثم يسعى في زوالها، و يبذل ما في وسعه من وشاية وكذب، وافتراء عليه، ويؤلب عليه من له سلطة أو ولاية، حتى تزول تلك النعمة التي يتمتع بها أخوه، وليس هناك دافع له على إزالتها سوى الحقد والبغض، فلا يقر قراره حتى يتلف المال، أو يفتقر المحسود، أو يمرض، أو يحرم من حرفته أو عمله.
أما العائن فهو: إنسان قد تكيفت نفسه بالخبث والشر، فأصبحت تمتد إلى ما يلفت النظر، وترسل إليها ما يحطمها ويغيرها، بمجرد كلمته ونظرته السامة، فقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن منهم من تمر به الناقة أو البقرة السمينة فيعينها، ثم يقول لخادمه: خذ المكتل والدرهم، وآتنا بشيء من لحمها، فما تبرح حتى تقع فتنحر!
وقال الكلبي: "كان رجل من العرب يمكث يومين أو ثلاثة، لا يأكل ثم يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلاً ولا غنمًا أحسن من هذه. فما تذهب إلا قليلاً حتى يسقط منها طائفة"!! أما عن علاج الحسد والوقاية منه فهذا له وقفة أخرى -بإذن الله-.