المزمار الذهبي
عصام حسنين • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي صباح أحد الأيام دخل عليَّ زميلي صائحًا: "الحق يا شيخ.. بيلحنوا القرآن"! وأخبرني أن قناة "الفجر" الفضائية تجري مسابقة بعنوان: "المزمار الذهبي"، حيث يُطلب من المتسابق أن يقرأ جزءًا من القرآن بأحد المقامات الموسيقية!
وعندما عُدت إلى بيتي ووجدت فراغًا من وقت بحثت على شبكة الإنترنت عن هذه المسابقة فوجدت ما هالني -"وحقـًا ليس الخبر كالمعاينة"-!
فإني أسمع عن القراءة بالمقامات؛ ولم أدرِ أن الأمر بهذه الفظاعة، ولو رآهم الإمام الشافعي -رحمه الله- وهو من قال في رواية: "لا أكره القراءة بالألحان" -إذا لم يختل شيء من الحرف عن مخرجه-؛ تحسينـًا لصوته، وإثارة للخشية، وإقبالاً للنفوس؛ لقال: حُكمي فيهم أن يضربوا بالجريد والنعال؛ صيانة للقرآن!
رأيتُ أناسًا يغنون القرآن غناءً بألحان الموسيقى، وممتحن يقول لمتسابق: "ترنيمة في غير موضعها! قل لنا مقطعًا من القرآن يطابق ما أقول لك"!
"قل من هنا: جواب الجواب".
"صوتك جميل، لكن متعني كما يقول أهل الفن: وشوشني واطربني"!!
ولما شرع المتسابق في القراءة، جعل يشير إليه بأصابعه ويديه، أي: في الطلوع والنزول!
وقال ممتحن آخر: "لقد أتى بالصبا، ولم يأتِ بالعجم"، ثم يقرأه بصوته ويطلب من المتسابق أن يُحاكيه.
- وبهذه المقامات خرج المتسابق في بعض الأحيان عن قواعد التجويد، وزاد أو أنقص في الحروف، ويدل على ذلك توقيف الشيخ المسئول عن تقدير التجويد، يقول لأحد المتسابقين: "أنت لم تأتِ بالقلقلة في الموضع الفلاني".
ومتسابق آخر وقف يُضحك الحضور، ويحكي أنه كان يؤم الناس وقرأ الفاتحة بـ"نهاوند" فإذا بمصلٍّ وراءه يحاكي القراءة بالنغمة الموسيقية، فنقلتُ إلى مقام آخر، فإذا به يلحنه أيضًا -وإنا لله وإنا إليه راجعون-!!
- ثم صُدمتُ وحزنت كثيرًا عندما وجدت بين المتسابقين ابن شيخ مشهور له مكانته ومكانه وسط أبناء الصحوة؛ فقلت: لعل... ولعل... وضعت الأعذار، لكن سرعان ما طاشت هذه الأعذار برؤيتي لحلقة مسجلة لقناة الفجر عن ابن الشيخ المشهور الفائز في المسابقة.
يقول الابن: "أبي هو الذي حببني في تقليد الأصوات والقراءة بالمقامات"!
ويقول الشيخ: "أود أن أحيي قناة الفجر تحية خاصة على اهتمامها البالغ بالقرآن، وقراء القرآن بهذه الصورة الملفتة الجميلة! ولطالما تابعت هذه المسابقة، وسعدتُ سعادة غامرة بهذه الأصوات التي كنا نجهلها"!
إذن هو تشجيع للابن على ذلك، ومتابعة للمسابقة، وسعادة غامرة، وتحية خاصة -فالله المستعان-!!
ويقول -محتجًا على ذلك بأدلة في غير موضعها-: "التغني بالقرآن سنة، ولا حرج على أولادنا أن يزينوا القرآن بأصواتهم"، وذكر أحاديث التغني بالقرآن، وتزيين القرآن بأصواتنا كما سنذكرها -إن شاء الله تعالى-.
وهنا نقول: هذه زلة من الشيخ -حفظه الله- ينبغي أن يتقيها، وأن يرجع عنها (1) ، ونقول لإخواننا ما قاله الصحابي الجليل معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: "وأحذركم زيغة الحكيم -أي: انحرافه عن الحق- أي: لا تتبعوه عليه- فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق... اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات -أي: بالبطلان- التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يشينك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلَق الحق إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا" انظر عون المعبود 6/237 .
ثم رأيتُ ما أثلج صدري، وهو تبرؤ الشيخ "المعصراوي" -حفظه الله- من هذه المسابقة، وذكر -جزاه الله خيرًا- أنه لم يعلم أن المسابقة بهذه الصورة، وأنه حضر ربع ساعة ثم انسحب عندما رأى هذه الإساءة لكتاب الله -تعالى-.
وبإنكار الشيخ -أيده الله- هذه المسابقة خرجت قناة الرحمة بعد أن أذاعت احتفالاً بهؤلاء المتسابقين تعتذر باعتذارات تحتاج إلى اعتذارات ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:160) .
وخوفـًا من انصراف الشباب إلى تعلم هذه المقامات الموسيقية كما أخبر أحد علماء المغرب -في اتصال- ببرنامج شهد تبرؤ الشيخ المعصراوي من هذه المسابقة: إن فئة من الشباب عندهم انصرفوا إلى تعلم هذه المقامات الموسيقية بعد أن كان الشباب مقبلاً على حفظ القرآن والقراءات، بعد هذه المسابقة!!
ونظرًا إلى التقصير الشديد من الدعاة -الآن- في غرس أصل الاتباع في نفوس الناس -خاصة الشباب-، وصارت الحجة -عند الأكثر- أقوال وأفعال العلماء والدعاة؛ أحببت أن أبين نقاطًا مهمة تتعلق بمسألة القراءة بالألحان "المقامات الموسيقية" نصحًا لكتاب الله -تعالى- ولإخواننا؛ امتثالاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) (رواه مسلم) .
أولاً: أنزل الله -تعالى- كتابه الكريم؛ ليكون منهج حياة لعباده المؤمنين، قال الله -تعالى-: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ) (البقرة:2) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا ) (الإسراء:82) ، وقال -عز وجل-: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) .
ثانيًا: أمرنا الله -تعالى- عند تلاوته بالخشوع والتدبر والخضوع، وهو المقصود الذي تنشرح به الصدور، وتستنير به القلوب، قال الله -تعالى-: ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ) (ص:29) ، وقال -سبحانه-: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر:23) .