شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المزمار الذهبي

عصام حسنين • قضايا معاصرة

قال الإمام محمد بن الحسين الآجرِّي -رحمه الله-: "ألا ترون -رحمكم الله- إلى مولاكم الكريم كيف يحثّ خلقه على أن يتدبروا كلامه، ومن تدبر كلامه عرف الرب -عز وجل-، وعرف عظيم سلطانه وقدرته، وعرف عظيم تفضله على المؤمنين، وعرف ما عليه من فرض عبادته فألزم نفسه الواجب؛ فحذر مما حذره مولاه الكريم، ورغب فيما رغبه فيه، ومن كانت هذه صفته عند تلاوته للقرآن وعند استماعه من غيره كان القرآن له شفاء؛ فاستغنى بلا مال، وعز بلا عشيرة، وأنِس بما يستوحش منه غيره، وكان همه عند التلاوة للسورة إذا افتتحها متى أتعظ بما أتلو؟ ولم يكن مراده متى أختم السورة؟ وإنما مراده متى أعقل عن الله الخطاب؟ متى أزدجر؟ متى أعتبر؟ لأن تلاوته للقرآن عبادة، والعبادة لا تكون بغفلة!

قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "لا تنثروه نثر الدَّقـَل، ولا تَهذُّوه هذَّ الشعر -أي السرعة في قراءته-، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة"، وعن عطاء -رحمه الله- قال: "إنما القرآن عبر" اهـ بتصرف من "أخلاق حملة القرآن" ص25-26 .

ثالثـًا: يستحب عند تلاوة القرآن البكاء، والتباكي لمن لا يقدر على البكاء؛ فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين، وشعار عباد الله الصالحين؛ قال الله -تعالى-: ( وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ) (الإسراء:109) ، وقال -تعالى- عن الذين آمنوا من نصارى الحبشة: ( وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) (المائدة:83) ، تأمل: يبكون ويزيدهم خشوعًا.. لا طربًا وهزًا للرأس!

وطريقة تحصيل البكاء: أن يتأمل ما يقرؤه من التهديد والوعيد، والوثائق بالعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها، فإن لم يحضره حزن وبكاء فليبكِ على فقد ذلك فإنه من المصائب" بتصرف من مختصر التبيان للنووي -رحمه الله- ص53 .

ويستحب أن يرتل قراءته؛ فقد اتفق العلماء على استحباب ذلك؛ لقول الله -تعالى-: ( وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا ) (المزمل:4) ، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "بيِّنه بيانـًا".

وثبَتَ في الأحاديث الصحيحة أن قراءته -صلى الله عليه وسلم- كانت مرتلة مفسرة، وكذا كانت قراءة السلف.

قال العلماء: والترتيل مستحب للتدبر، ولكونه أقرب على الإجلال والتوقير، وأشد تأثيرًا في القلب، ولهذا يُستحب الترتيل للأعجمي الذي لا يفهم؛ قال الله -تعالى-: ( وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ) (الإسراء:106) ، قال مجاهد: "على تؤدة" اهـ بتصرف من مختصر التبيان ص53، وأخلاق حملة القرآن ص54 .

ويستحب تحسين الصوت بالقراءة بالاتفاق؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ) (رواه البخاري) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ ) (متفق عليه) ، قال وكيع وابن عيينة: "يستغني به".

وقال الشافعي: "يتحزن ويترنم به"، وعن شعبة قال: "نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث"، قال أبو عبيد: "وإنما كره أيوب -فيما نرى- أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الألحان المبتدعة؛ فلهذا نهاه أن يحدث به" اهـ (2) من فضائل القرآن له نقله عنه ابن كثير .

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه، والتخشع به كما في حديث أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَو رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ )؟ قلت: "لو علمتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا"، رواه بقي بن مخلد، وزاد مسلم: ( لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ) (3) ، والغرض أن أبا موسى -رضي الله عنه- قال: "لو علمتُ أنك تستمع لحبرته لك تحبيرًا"؛ فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه" اهـ من فضائل القرآن ص90 .

وقد بيَّن لنا -صلى الله عليه وسلم- مَنْ أحسَنَ الناس صوتًا بالقرآن؛ فقال: ( إِنَّ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ الَّذِي إِذَا سَمِعْتُمُوهُ يَقْرَأُ حَسِبْتُمُوهُ يَخْشَى اللَّهَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وقال طاوس: "أحسن الناس صوتـًا بالقرآن أخشاهم لله" فضائل القرآن ص90 .

وقال ابن القيم -رحمه الله-:

"التطريب والتغني على وجهين:

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليم، بل إذا خُلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين؛ فذلك جائز وإن أعان طبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا"، والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبع وعدم التكلف والتصنع فيه؛ فهو مطبوع لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه، وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.

الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف؛ فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموها، ومنعوا القراءة بها وأنكروا على من قرأ بها، وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه، وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره... " من زاد المعاد 1/137 .

الصفحة السابقة الصفحة التالية