إن السعيد لمن جُنب الفتن
أحمد يحيى الشيخ • التزكية
ولذلك فهؤلاء أول من يبوء بإثم من وقع في الفتنة جهلاً منه، وإنما كانوا هم قدوته في التيه، فتاه لتيههم، وضل لضلالهم، وقد كان سيد القراء مسلم بن يسار أخرج في فتنة ابن الأشعث مكرهًا، فوقف بين الصفين ولم يشارك في القتال، فلما انجلت الفتنة ندم على موقفه ذلك، فعن أبي قلابة -رحمه الله- قال: "لما انجلت فتنة ابن الأشعث كنا في مجلس ومعنا مسلم بن يسار، فقال مسلم: الحمد لله الذي أنجاني من هذه الفتنة، فوالله ما رميت فيها بسهم، ولا طعنت فيها برمح، ولا ضربت فيها بسيف. قال أبو قلابة: فقلت له: فما ظنك يا مسلم بجاهل نظر إليك فقال: والله ما قام مسلم بن يسار سيد القراء هذا المقام إلا وهو يراه عليه حقا؛ فقاتل حتى قتل؟! قال: فبكى، حتى تمنيت أني لم أكن قلت شيئًا".
والعقلاء في زمن الفتنة ساعون بالإصلاح بين الطائفتين بما منَّ الله عليه من علم وبصيرة وتثبت في الأخبار وحجة قوية وسلطان نافذ، فإن لم يستطيعوا وحيل بينهم وبين الوصول؛ فالصمت في هذه الحال هو المأمول. ومن تفكر في أحوال من سبق علم أنهم آثروا الصمت في الفتنة لعدم إمكان التثبت في الأخبار، أو لعجزهم عن فرض السلم بين سكارى التنازع.
قال النووي -رحمه الله-: "اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلامًا ظهرت فيه المصلحة، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه؛ لأنه قد ينجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه، وذلك كثير في العادة، والسلامة لا يعدلها شيء" اهـ .
قال ابن حبان -رحمه الله-: "الرافق لا يكاد يُسبق، كما أن العَجِل لا يكاد يَلْحق، وكما أن من سكت لا يكاد يندم، كذلك من نطق لا يكاد يسلم، والعَجِل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم، ويَحمد قبل أن يُجرِّب، ويذم بعدما يَحمد، ويعزم قبل أن يفكر، ويُمضي قبل أن يعزم، والعَجِل تصحبه الندامة، وتعتزله السلامة، وكانت العرب تكنى العَجلة أم الندامات" اهـ .
وعن يزيد بن أبي حبيب قال: "إن المتكلم لينتظر الفتنة، وإن المنصت لينتظر الرحمة".
وعن أبي الذيال قال: "تعلم الصمت كما تتعلم الكلام فإن يكن الكلام يهديك فإن الصمت يقيك، ولك في الصمت خصلتان: تأخذ به علم من هو أعلم منك، وتدفع به عنك من هو أجدل منك".
قال ابن القيم -رحمه الله-: "والكلام أسيرك، فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره".
وجلس رجل مع المعافى بن عمران فقال: "ما أشد البرد اليوم . فقال له: استدفأت الآن، لو سكت لكان خيرًا لك".
وقال أبو بكر بن محمد بن القاسم: "كان شيخنا أبو إسحاق الشيرازي إذا أخطأ أحد بين يديه قال: أي سكتة فاتتك"؟!
وقال حماد بن زيد: "سئل أيوب السختياني عن مسألة فسكت، فقال الرجل: يا أبا بكر لم تفهم؛ أعيد عليك؟ فقال أيوب: قد فهمت، ولكني أفكر كيف أجيبك".
وكان عبد الله بن الخيار يقول: "اللهم سلمنا وسلم المؤمنين منا".
وقد حفِظت كتب السير كثيرًا من المواقف التي تبين فضل الصمت في زمن وجود الفتنة، ومن ذلك ما ثبت عن أبي هريرة من قوله -رضي الله عنه-: "حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ" -يقصد القتل- رواه البخاري .
وحمل العلماء الوعاء الآخر على أحاديث الفتن وتسمية أمراء السوء وأحوالهم وزمانهم، فقد كان يقول أعوذ بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد؛ لأنها كانت سنة ستين، فمات أبو هريرة -رضي الله عنه- سنة تسع وخمسين.
ولعله لو وجد أبو هريرة في زماننا لوجدنا من يرميه بالجبن والقعود، ومن يصفه بالذلة والخنوع؛ لأنه فقط لم يعلن الإنكار حتى ولو قطع بلعومه!!
وعن ثابت البناني عن مطرف قال: "إن الفتنة ليست تأتي تهدي الناس، ولكن إنما تأتي تقارع المؤمن عن دينه، ولأن يسألني ربي -عز وجل- يوم القيامة فيقول: يا مطرف ألا فعلت؟ أحب إلي من أن يقول لي: لم فعلت"؟
وعن مطرف أيضًا قال: "لبثت في فتنة ابن الزبير تسعًا أو سبعًا، ما أُخبرت فيها بخبر، ولا استخبرت فيها عن خبر".
وعن شريك قال: "سألت إبراهيم بن أدهم عما كان بين علي ومعاوية -رضي الله عنهما-، فبكى، فندمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه وقال: إنه من عرف نفسه اشتغل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره".
وقال الشافعي -رحمه الله-: "قيل لعمر بن عبد العزيز: ما تقول في أهل صفين؟ قال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها".
وعن الهيثم بن عبيد الصيدلاني، قال: "سمع ابن سيرين رجلاً يسب الحجاج، فقال: مه أيها الرجل! إنك لو وافيت الآخرة كان أصغر ذنب عملته قط أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله -عز وجل- حكم عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئًا فشيئًا أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد"!
وإذا كان هذا فضل الصمت، فلأن السلامة لا يعدلها شيء؛ ولأنه ربما تكلم بكلمة كانت سببًا في قتل مسلم، أو انتهاك عرضه، أو استحلال ماله، فيتحمل القائل وزرها ووزر من عمل بها، وربما هوى بها في النار سبعين خريفـًا.
ولما علم حذيفة -رضي الله عنه- بمقتل عثمان -رضي الله عنه- قال: "اللهم العن قتلته وشتامه، اللهم إنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سلمًا إلى الفتنة، اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف".
وقال أبو معبد عبد الله بن عكيم -رحمه الله- في خطبة له: "لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان. فقال رجل متعجبًا: يا أبا معبد؛ أو أعنت على دمه؟ فقال أبو معبد: إني لأرى ذكر مساوئ الرجل عونـًا على دمه".
قال عبد الواحد بن زيد للحسن البصري: "يا أبا سعيد أخبرني عن رجل لم يشهد فتنة ابن المهلب بن أبي صفرة إلا أنه عاون بلسانه ورضي بقلبه؟ فقال الحسن: يا ابن أخي؛ كم يد عقرت الناقة؟ قلت: يد واحدة. قال: أليس القوم قد هلكوا جميعًا برضاهم وتماليهم"؟!