إن السعيد لمن جُنب الفتن
أحمد يحيى الشيخ • التزكية
وعن رشيد الخباز -وكان عبدًا صالحًا- وقد رآه أبو عبيدة، قال: "خرجت مع مولاي إلى مكة، فجاورنا، فلما كان ذات يوم، جاء إنسان فقال لسفيان: يا أبا عبد الله! قدم اليوم حسن وعلي ابنا صالح. قال: وأين هما؟ قال: في الطواف. قال: إذا مرا فأرنيهما. فمر أحدهما، فقلت: هذا علي، ومر الآخر فقلت: هذا حسن. فقال: أما الأول؛ فصاحب آخرة، وأما الآخر؛ فصاحب سيف، لا يملأ جوفه شيء. قال: فيقوم إليه رجل ممن كان معنا، فأخبر عليًا، ثم مضى مولاي إلى علي يسلم عليه، وجاء سفيان يسلم عليه، فقال له علي: يا أبا عبد الله! ما حملك على أن ذكرت أخي أمس بما ذكرته؟ ما يؤمنك أن تبلغ هذه الكلمة ابن أبي جعفر فيبعث إليه فيقتله؟ قال: فنظرت إلى سفيان وهو يقول: أستغفر الله، وجادتا عيناه".
وعن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: "كنا مع رجاء بن حيوة، فتذاكرنا شكر النعمة، فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة، وخلفنا رجل على رأسه كساء، فقال: ولا أمير المؤمنين؟ فقلنا: وما ذكر أمير المؤمنين هنا! وإنما هو رجل من الناس؟ قال: فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره، فقال: أُتِيتُم من صاحب الكساء، فإن دعيتم فاستُحْلِفتُم فاحلفوا. قال: فما علمنا إلا بحرسه قد أقبل عليه، قال: هيه يا رجاء، يُذْكَر أمير المؤمنين، فلا تحتجُّ له؟! قال: فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذكرتم شكر النعم، فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين؟ فقلت: أمير المؤمنين رجل من الناس. فقلت: لم يكن ذلك. قال: آلله؟ قلت: آلله. قال: فأمر بذلك الرجل الساعي فضُرب سبعين سوطاً، فخرجت وهو مُتلوِّث بدمه، فقال: هذا وأنت رجاء بن حيوة؟
قلت: سبعين سوطاً في ظهرك خير من دم مؤمن. قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يقول ويتلفت: احذروا صاحب الكساء".
وإذا كان الصمت هو الواجب على من خاف على نفسه الفتنة، فإنه من الواجب أيضًا الأخذ على أيدي السفهاء الذين لا يبالون بالحرمات، ويلغون في الأعراض.
قال الأستاذ محمد أحمد الراشد -حفظه الله-: "إن العمل الخاطئ لا يصح معه ادعاء الصلاح، ولا تسوغه النية الحسنة، والضرر يزال ويتجنب ولو لم يقصد فاعله الإساءة، وكل ناو فله ما نوى.
فمن الدعاة أناس يريدون الخير للدعوة، لكنهم ورثوا سذاجة أصحاب السفينة الذين قص علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبرهم فقال، كما في لفظ البخاري: ( مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلاَهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّونَ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلاَهَا، فَتَأَذَّوْا بِهِ، فَأَخَذَ فَأْسًا، فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا مَا لَكَ قَالَ تَأَذَّيْتُمْ بِي، وَلاَ بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ ).
وفي لفظ ابن المبارك: أن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- كان إذا أراد سرد هذا الحديث يقول قبله: "يا أيها الناس: خذوا على أيدي سفهائكم"، فإذا سرده عاد فقال: "خذوا على أيدي سفائهكم قبل أن تهلكوا".
ولقد صدق الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، وصدق النعمان، فكم من مخلص جاهل يسلك سبيل صاحب الفأس هذا في سفينة الدعوة!! ذاك حمل فأسًا... وصاحبنا يحمل اللسان.
إنه يهدم ويشكك ويثبط ويفرق ويعصي، كل ذلك بدعاوى حسن النية والنقد الذاتي!
إنه يجهل أن القانون على السفينة إنما هو قانون العاقبة دون غيرها، فالحكم لا يكون على العمل بعد وقوعه، بل على الشرع فيه، بل توجيه النية إليه، فلا حرية هنا في عمل يفسد السفينة ما دامت ملججة في بحرها، سائرة إلى غايتها.
إن كلمة "الخرق" لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، بل معناها البحري، فهناك لفظة "أصغر خرق" ليس لها إلا معنى "أوسع قبر" في قاع المحيط المظلم، لو ترك هذا الخرق الصغير وشأنه. وكذا حسن النية، إنه لا يحمل عندنا في علاقاتنا معناه الأخروي الذي يحاسب الله بموجبه عباده، فالإفساد واحد حتى وإن كان بنية حسنة. أفما رأيت حالة هذه الطائفة التي في "الأسفل" تعمل لرحمة من هم في "الأعلى"؟
إنها قصة القواعد الساذجة مع القيادات العاملة؛ عاطفة ملتهبة، لكنها باردة، ومشاعر صادقة... لكنها كاذبة، ورحمة خالصة، لكنها مهلكة، إنهم المصلحون إصلاحا مخروقًا" اهـ .
قال الشيخ محمد إسماعيل -حفظه الله-:
"ومن أهم المظاهر التي تشد المسلمين شدًا إلى حبل الله وصراطه المستقيم المواظبة على حضور صلاة الجماعة حتى في أحلك أوقات الفتن، باعتبار ذلك من مظاهر التعاون على البر والتقوى، وهي إن لم تستأصل الفتنة فإنها تحجم أضرارها، وتذكر المسلمين بأخوة الإيمان ووحدة العقيدة واستصحاب أصل الائتلاف والتلاحم" اهـ .
اللهم إنا نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإذا أردت فتنة قوم فتوفنا غير مفتونين، نسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربنا إلى حبك.
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الرضى والغضب، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيما لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضى بعد القضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهديين، والحمد لله رب العالمين.
يراجع كتاب:
بصائر في الفتن للشيخ محمد إسماعيل المقدم.