ملامح بلاغية من سورة الفاتحة
إبراهيم صلاح • من نور الوحيين
- أما وصف الرحيم فقد كثر استعماله وصفـًا فعليًا, وجاء في الغالب بأسلوب التعدية والتعلق بالمنعم عليه. قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (البقرة:143) ( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) (الأحزاب:43) .
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): ( الْحَمْدُ ) هو: الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة أو غيرها.
(رَبِّ الْعَالَمِينَ): أي مالكهم؛ إذ الرب مصدر "ربه يربه" إذا تعاهده بالتربية حتى يبلغ به شيئًا فشيئًا درجة الكمال, وهو اسم من أسماء الله -تعالى-, لا يطلق على غيره إلا مقيدًا, فيقال: "رب الدار" أي: صاحبها، والرب في كلام العرب له معانٍ ثلاثة: السيد, المطاع, والرجل المصلح للشيء, والمالك للشيء, فربنا -جل ثناؤه- السيد, المطاع في خلقه, والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه, والمالك الذي له الخلق والأمر.
- و(الْعَالَمِينَ): جمع عَالَم وهو كل موجود سوى الله, قال القرطبي: "وهو مأخوذ من العلم والعلامة؛ لأنه يدل على موجده".
- وافتتحت السورة بهذه الجملة: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )؛ لأنه -سبحانه- أول كل شيء, وآخر كل شيء, ولكي يعلمنا أن نبدأ كتبنا, وخطبنا بالحمد والثناء عليه, فالآية قررت ثبوت الثناء المطلق لله -تعالى-, وأنه ليس لأحد أن ينازعه إياه, وجملة الحمد لله مفيدة لقصر الحمد عليه نحو قولهم: الكرم في العرب.
- و"ال" في الحمد للاستغراق, أي: أن جميع أجناس الحمد ثابتة لله رب العالمين, وإنما كان الحمد مقصورًا في الحقيقة على الله؛ لأن كل ما يستحق أن يقابل بالثناء فهو صادر عنه, ومرجعه إليه, فهو الخالق لكل شيء, وما يقدم إلى بعض الناس من حمد جزاء إحسانهم فهو في الحقيقة حمد لله؛ لأنه -سبحانه- هو الذي وفقهم لذلك, وأعانهم عليه.
- ولم تفتتح السورة بصيغ الأمر بأن يقال: "احمدوا الله"؛ لأن الأمر يقتضي التكليف, والتكليف قد تنفر منه النفوس أحيانًا, فأراد -سبحانه- وهو يبادئهم بشرعة جديدة أن يؤنسهم, ويؤلف قلوبهم ترفقـًا بهم, حتى يديموا الإصغاء لما سيلقيه عليهم من التكليف.
(لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): أجرى على لفظ الجلالة نعت الربوبية للعالمين؛ ليكون كالاستدلال على استحقاقه -تعالى- للحمد وحده, وفي ذلك إشعار لعباده بأنهم مكرمون من ربهم, فكأنه يقول لهم: اجعلوا حمدكم وثناءكم لي وحدي؛ لأني أنا رب العالمين, وأنا الذي تعهدتكم برعايتي وتربيتي منذ تكوينكم من الطين, حتى استويتم عقلاء مفكرين.
(رَبِّ الْعَالَمِينَ . الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ): أتبع هذا الوصف رب العالمين بوصف آخر وهو الرحمن الرحيم؛ لحكم سامية, منها أنه وصفه -تعالى- برب العالمين أي: مالكهم قد يثير في النفوس شيئًا من الخوف والرهبة, فإن المربي قد يكون خشنًا جبارًا, وذلك مما يخدش من جميل التربية, وينقص من فضل التعهد؛ لذا قرن كونه مربيًا بكونه الرحمن الرحيم؛ لينفي بذلك هذا الاحتمال, وليحرضهم على حمده وعبادته بقلوب مطمئنة, ونفوس مبتهجة, ودعوة لهم إلى أن يقيموا حياتهم على الرحمة والإحسان, لا على الجبروت والطغيان, فالراحمون يرحمهم الله.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): والمالك وصف من المِلك بكسر الميم, بمعنى حيازة الشيء مع القدرة على التصرف فيه, واليوم المراد به يوم القيامة, والدين الجزاء والحساب، يقال: دنته بما صنع أي: جازيته على صنيعه, ومنه قولهم: "كما تدين تدان", أي: كما تفعل تجازى.
والمعنى أنه -تعالى- يتصرف في أمور يوم الدين من حساب, وثواب, وعقاب تصرف المالك فيما يملك, فكل شيء في ذلك اليوم يجري بأمره كما قال: ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) (غافر:16) , وتخصيص المُلك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه تقدم الإخبار بأنه رب العالمين, وذلك عام في الدنيا والآخرة, وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئًا, وتسمية غيره في الدنيا بملِك فعلى سبيل المجاز؛ كما قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ) (البقرة:247) .
- المتدبر لهذه الآية الكريمة يراها خير وسيلة لتربية الإنسان, وغرس الإيمان العميق في قلبه؛ لأنه إذا آمن بأن هناك يومًا يظهر فيه إحسان المحسن, وإساءة المسيء, وأن زمام الحكم في ذلك اليوم لله الواحد القهار, فإنه في هذه الحالة سيقوى عنده خلق المراقبة لخالقه, ويجتهد في السير على الطريق المستقيم.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ): الذي يجدر بنا أن نعبده, وأن نستعين به هو الله الذي تجلت أوصافه, ووضحت عظمته, وثبتت هيمنته على هذا الكون, وهذه العبادة الصحيحة تكون بتحقيق أمرين: إخلاصها لله, وموافقتها لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن جرير -رحمه الله-: "لأن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة, والاستعانة: طلب المعونة من أجل الاقتدار على الشيء, والتمكن من فعله, والمعنى لك يا ربنا وحدك نخشع ونذل ونستكين, فقد توليتنا برعايتك, وغمرتنا برحمتك, فنحن نخصك بطلب الاستعانة على طاعتك, وعلى أمورنا كلها".
وقدم المعبود على العبادة فقال: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )؛ لإفادة قصر العبادة عليه, وهو ما يقتضيه التوحيد الخالص.
وقال: ( نَعْبُدُ ) بنون الجماعة, ولم يقل: "أعبد"؛ ليدل على أن العبادة أحسن ما تكون في جماعة المؤمنين, وللإشعار بأن المؤمنين المخلصين يكونون في اتحادهم وإخائهم بحيث يقوم كل واحد منهم في الحديث عن شئونهم الظاهرة, وغير الظاهرة مقام جميعهم.