ملامح بلاغية من سورة الفاتحة
إبراهيم صلاح • من نور الوحيين
- وقدمت العبادة على الاستعانة؛ لكون الأولى وسيلة للثانية, وتقديم الوسائل سبب في تحصيل المطالب؛ وليدل على أنهم لا يستقلون بإقامة العبادات, بل إن عون الله هو الذي ييسر لهم أداءهم, ولم يذكر المستعان عليه من الأعمال؛ ليشمل كل ما تتجه إليه النفس من الأعمال الصالحة, وجاءت الآية بأسلوب الخطاب على طريقة الالتفات؛ تلوينًا لنظم الكلام من أسلوب إلى أسلوب؛ قال الزمخشري: "فإن قلتَ: لما عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلتُ: هذا يسمى الالتفات في علم البيان, وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب, ومن الخطاب إلى الغيبة, ومن الغيبة إلى التكلم, وذلك على عادة العرب في افتنانهم في الكلام, وتصرفهم فيه, وذلك لتنشيط السامع, وإيقاظـًا للإصغاء".
قال بعض العلماء: الفاتحة سر القرآن, وسرها هذه الكلمات: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ), ففيها التبرؤ من الشرك, والتبرؤ من الحول والقوة, والتفويض إلى الله.
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ): بيَّن -عز وجل- أن أفضل شيء يطلبه العبد من ربه إنما هو هدايته إلى الطريق الذي يوصل إلى أسمى الغايات, وأعظم المقاصد.
(اهْدِنَا): الهداية هي الإرشاد والدلالة في لطف على ما يوصل إلى البغية, وتسند إلى الله, وإلى النبي -صلى الله عليه وسلم-, وإلى القرآن: ( وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ) (فصلت:17) أي بيَّنا لهم طريق الخير.
وتأتي بمعنى الإلهام: ( قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى . قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (طه:49-50) .
وتأتي بمعنى الدعاء: ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (الرعد:7)، أي: داعٍ. ( وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (الشورى:52) .
(الصِّرَاطَ): الجادة والطريق من سرط الشيء إذا ابتلعه, وسمي الطريق بذلك؛ لأنه يبتلع المارين فيه.
(الْمُسْتَقِيمَ): المعتدل الذي لا اعوجاج فيه.
(أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): النعمة لين العيش, ونعم الله كثيرة لا تحصى.
(غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): الغضب هيجان النفس وثورتها عند الميل للانتقام, وهذا لا يليق بالله، فهو -الغضب- صفة لائقة بجلاله, لا نعلم حقيقتها, وإنما نعرف أثرها.
والمعنى: اهدنا يا رب إلى طريقك المستقيم الذي يوصلنا إلى سعادة الدنيا والآخرة, ويجعلنا مع الذين أنعمت عليهم من خلقك, وجنبنا طريق الذين غضبت عليهم من الأمم السابقة, أو الأجيال اللاحقة؛ بسبب سوء أعمالهم, وفي هذا الدعاء أسمى أنواع الأدب؛ لأن هذا الدعاء قد تضرع به المؤمنون إلى خالقهم بعد أن اعترفوا له -سبحانه- قبل ذلك بأنه هو المستحق لجميع المحامد, وأنه رب العالمين, والمتصرف في أحوالهم يوم الدين.
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وهذا أكمل أحوال السائلين أن يمدح مسئوله, ثم يسأل حاجته, وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ), لأنه أنجح للحاجة, وأنجع للإجابة, ولهذا أرشدنا الله إليه؛ لأنه الأكمل".
ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم مستغنيًا عن ذكر الصراط؛ ليدل على أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.
وقوله: (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ): أتى في وصف الإنعام بالفعل المسند إلى الله, وفي وصف الغضب باسم المفعول: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ), وفي ذلك تعليم لأدب جميل, وهو أن يسند أفعال الإحسان إلى الله, ويتحاشى أن يسند إليه أفعال العقاب والابتلاء, وإن كان كل من الإحسان والعقاب صادرًا منه, ومن شواهد ذلك: ( وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ) (الجن:10) .