شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السماحة في الشريعة الإسلامية

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد؛

فتمتاز الشريعة الإسلامية باحتوائها على قدر كبير من التسامح في جوانبها وأحكامها المختلفة، ينعم المسلمون عند تطبيق ما جاء به دينهم بهذا التسامح؛ مما يحافظ على ما في هذا المجتمع من مودة وترابط وتحاب وألفة؛ إذ يمتد هذا التسامح بين أفراد المجتمع ليستظل به أصحاب المعاصي والكبائر، بل وأصحاب البدع والمنكرات في حدود لا تخل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تهمل النصح والتناصح في الله -تعالى-، فتتغلب الأخوة الإيمانية التي تربط بين المسلمين جميعـًا على ما في بعض أفراد المجتمع من الخطأ أو التقصير أو ارتكاب الذنوب أو الوقوع في البدع والمنكرات، ونظرًا لأن مظاهر هذا التسامح في الشريعة يصعب جمعها في هذا الموضع؛ نشير إلى صور منها في جوانب الشريعة المختلفة.

فمن مظاهر التسامح بين المسلمين بعضهم مع بعض التي أمر الشرع بها أو حث عليها:

1- التسامح في البيع والشراء، والمطالبة بالديون:

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذا بَاعَ وإِذا اشترَى وَإِذا اقتضَى ) (رواه البخاري) .

2- إنظار المعسر أو التجاوز عنه:

قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) (البقرة:280) ، وفي الحديث المرفوع: ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا؛ فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، فَلَقِي اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ شَيء إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ مُوسِرًا؛ فَكَانَ يَأْمُرُ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرِ، فقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْهُ، تَجَاوَزُوا عَنْهُ ) (رواه مسلم) .

3- التراحم والرفق والرقة مع الآخرين وخفض الجناح لهم:

قال -تعالى-: ( وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الشعراء:215) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ مَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ أمَّتِي شَيْئـًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِي مِنْ أَمْرِ أمَّتِي شَيْئـًا فَرَفَقَ بِهِمْ؛ فَارْفُقْ بِهِ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ؛ تَدَاعَى لهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بالسَّهَر وَالْحُمَّى ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ؛ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لأقومُ فِي الصَّلاَةِ أرِيدُ أَنْ أطوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِي، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي؛ كَرَاهِيَة أَنْ أَشُقَّ عَلى أمِّهِ ) (رواه البخاري) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَة ًمِنْ كُـرَبِ الدُّنْيَا؛ نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَة مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلى مُعْسِرٍ؛ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا؛ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أخِيهِ ) (رواه مسلم) .

4- الحنث في اليمين مع أداء الكفارة مراعاة للغير وتقديمًا للخير:

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- صَوْتَ خُصُومٍ بالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإذا أَحَدُهُمَا يَسْتـَوْضِعُ الآخَرَ -أي: يسأله أن يضع عنه بعض دينه- وَيَسْتَرْفِقـُهُ في شَيء -أي: يسأله الرفق فيه-، وَهْوَ يَقولُ: وَاللَّهِ لا أفْعَلُ. فَخَرَجَ عَليْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: ( أَيْنَ الْمُتَأَلِّي -أي: الحالف- عَلَى اللَّهِ لاَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ ) . فَقَالَ: أنا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلهُ أَي ذَلِكَ أَحَبَّ. (متفق عليه) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَلفَ عَلى يَمِينٍ فرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلْ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنِّي -وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- لا أَحْلِفُ عَلى يَمِينٍ ثُمَّ أَرَى خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلاَّ كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ) (متفق عليه) .

5- الأمر بالإحسان للأقارب وإن أساءوا، ووصلهم إن لم يصلوا، والصبر على ذلك:

الصفحة التالية