شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

السماحة في الشريعة الإسلامية

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلـُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئونَ إِلَىَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَىَّ. فَقَالَ: ( لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ؛ فَكَأَنَّمَا تُسِفـُّهُمُ الْمَلَّ، وَلا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه مسلم) ، قال النووي: "أي: كأنما تطعمهم الرماد الحار". وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم. وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ليْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ) (رواه البخاري) .

6- التنازل عما فاض عن الحاجة للغير عن طيب نفس:

قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ؛ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ ) قَالَ أبو سعيد الخدري: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. (رواه مسلم) .

7- الحث على الملاينة والتساهل في المعاملة:

قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ألا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّار أو بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النارُ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ ) (رواه الترمذي وصححه الألباني) .

8- الأمر بالعفو عن المسيء والإعراض عن الجاهلين:

قال -تعالى-: ( وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ) (النور:22) ، وقال -تعالى-: ( وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:134) ، وقال -تعالى-: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (الأعراف:199) ، وعَنْ عَائِشَة رضي الله عنها قَالتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَيْئـًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلا امْرَأَةً وَلاَ خَادِمًا إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيء قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ؛ إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيء مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ؛ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-" (رواه مسلم) ، وعنها: "وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِنَفْسِهِ فِي شَيء قَطُّ، إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَة اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ". (متفق عليه) .

9- اختيار الأيسر لمنع المشقة:

فعَنْ عَائِشَة رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: "مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ". (متفق عليه) .

10- إقالة المعثر -وهو: من ندم على بيع باعه وعقد أمضاه ويشعر بحاجته إلى الرجوع في العقد وإلغاء حكمه وآثاره-:

فندب الشرع إلى إجابة طلبه وإقالة عثرته، فيتسامح الطرف الآخر، ويرضى بإلغاء البيع والعقد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: ( مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا؛ أَقَالـَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني) .

11- أما التسامح مع المخطئين والعصاة وأصحاب البدع والمنكرات فهذا باب واسع؛

إذ جعلت الشريعة أمثال هؤلاء يُحَبون من جانب ويُبغَضون من جانب، وتبقى لهم الأخوَّة الإيمانية لا تنقطع، وتتجلى الرحمة بهم والتسامح معهم في عدم تكفيرهم على أخطائهم، وعذر من له العذر حتى تقام عليه الحجة، فلا يكفر إلا من قامت عليه الحجة التي يكفر صاحبها إن أصر على كفره، وكذلك بجواز الصلاة خلفهم في الجمع والجماعات، ونسوق في ذلك بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان موقف أهل السنة والجماعة مع هؤلاء؛ لما يتضمنه كلامه من الدقة في التعبير والضبط في الاستدلال.

يقول ابن تيمية -رحمه الله-: "ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة؛ فإن الله -تعالى- قال: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (البقرة:285) .

وقد ثبت في "الصحيح" أن الله -تعالى- أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم، والخوارج المارقون الذين أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة؛ بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم؛ لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يَسْبِ حريمهم، ولم يغنم أموالهم.

وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بقتالهم؛ فكيف بالطوائف المختلفة الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها وإن كانت فيها بدعة محققة؛ فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضًا؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعـًا جهال بحقائق ما يختلفون فيه" اهـ "مجموع الفتاوى 282/3" .

ويقول -رحمه الله-: "وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفرًا فيطلق القول بتكفير صاحبه، فيقال: من قال كذا؛ فهو كافر ولكن الشخص المعيَّن الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله -سبحانه و-تعالى-- يقول: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) (النساء:10) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية