حب الحبيب -صلى الله عليه وسلم-
سعيد صابر • التزكية
الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, أما بعد؛
فيقول الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (الأحزاب:56) , وهذه الصلاة, وذلكم السلام المأمور بهما في تلك الآية النيرة كلاهما لازم من لوازم محبته -صلى الله عليه وسلم-, وسبب موصل إليهما.
ولاشك أن حب النبي -صلى الله عليه وسلم- مَعلَم رئيسي من معالم الدين, وعقد من عقود الإيمان, وقد أوجب الله علينا محبته, وتوعد على الإخلال بها فقال: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (التوبة:24) , وكفى بتلك الآية حضًا وتنبيهًا ودلالة وحجة على لزوم محبته -صلى الله عليه وسلم-, وعظيم خطرها.
ومما يشهد لذلك ذلكم المشهد الذي يأخذ فيه -صلى الله عليه وسلم- بيد عمر, فيقول له عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ) , فكان هذا التحول العجيب من عمر حيث قال لتوه: فأنت الآن والله يا رسول الله لأحب إلي من نفسي, فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الآنَ يَا عُمَرُ ) (رواه البخاري) ، وفي الحديث: ( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (متفق عليه) .
إن هذا الأمر -وهو أن تربو محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندنا على محبتنا لذواتنا وأنفسنا- أمر ليس بالهين, بل يحتاج منا إلى استعانة عالية بالله -جلَّ وعلا-, ومؤهلات خاصة جدًا, وأسباب لزامًا علينا أن نأخذ بها, حتى نرقى هذا المرتقى العالي, ونعرج من الثرى إلى الثريا.
وأول هذه الأسباب التي تنتعش وتنشط بها محبة الحبيب -صلى الله عليه وسلم- في القلوب, وتدفع إلى نمائها:
- محبة الله -تعالى-: وذلك لأن محبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرع عن محبة الله, فكلما ازداد العبد حبًا لله ازداد حبًا لرسوله -عليه الصلاة والسلام-.
وقد ذكر ابن القيم في "مدارج السالكين" جملة من الأسباب الجالبة لمحبة الله: كقراءة القرآن بالتدبر, ودوام ذكره -تعالى- بالقلب واللسان, ومشاهدة بره وإحسانه, ونعمه وإنعامه؛ فالإنسان أسير الإحسان, ومجالسة المحبين الصادقين, وآكد ذلك أن تعرف الله بأسمائه وأوصافه، يقول الحسن: "من عرف ربه أحبه".
- ومما تمتلئ به القلوب, وتفعم محبة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- معرفة شرفه, وما خصه الله به, ككونه سيد ولد آدم , وأنه صاحب المقام المحمود, والشفاعة العظمى, وأول شافع, وأول مشفع, وأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فما ازداد بذلك إلا ذلاً لله وانكسارًا, وسعيًا في مرضاته فضلاً عن قَسَم الله بحياته, فضلاً عن توقير الله له حيث ناداه بأحب أسمائه, وأسمى أوصافه فقال: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ )، ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ), بينما نادى غيره من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بأسمائهم؛ فجدير بمن تبوأ تلك المنزلة العالية عند الله أن تتوجه القلوب لمحبته, وتتشرف لنصرته.
- ومن الأسباب التي تمتلئ بها القلوب محبة لرسول الله كذلك دراسة شمائله, والوقوف على مكارم الأخلاق التي بعث بها، وتجمعت بجماعها في شخصه -صلى الله عليه وسلم-, فكان أوسع الناس صدرًا, وأصدقهم لهجة, وأكرمهم عشيرة, وأوفاهم عهدًا وأوصلهم للرحم.
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر
يقول عبد الله بن سلام: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-. فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني) .
- ومن ذلك كذلك معرفة حرصه وشفقته علينا, ورحمته بنا، ونصحه لنا: ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (التوبة:128) , وقال -جلَّ وعلا-: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (الأحزاب:6) , فأنفسنا تدعونا إلى الهلاك, وهو يدعونا إلى النجاة, وفي الحديث: ( أنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالاً فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ ) (متفق عليه) , فأي نبل وأي سخاوة نفس هذه؟!
ومما تتلألأ به القلوب محبة لرسول الله مطالعة ومشاهدة الثمرات اليانعات التي يجتنيها محبو الحبيب -صلى الله عليه وسلم-, وأول ذلك الظفر بحلاوة ونداوة الإيمان, والتي تثمر التلذذ بالطاعات, واستعذاب المشاق والصعاب في سبيل الله، يقول -صلى الله عليه وسلم-: ( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّار ِ) (متفق عليه) .