حب الحبيب -صلى الله عليه وسلم-
سعيد صابر • التزكية
من ثمرات المحبة تلك البشرى التي زفها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمحبيه، وذلك يوم أن جاءه رجل, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ( وَمَا أَعْدَدْتَ لِلسَّاعَةِ ) قَالَ: حُبَّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ: ( فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ) قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بَعْدَ الإِسْلاَمِ فَرَحًا أَشَدَّ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: ( فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ). قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَأَبَا بَكْرٍ, وَعُمَرَ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ, وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِأَعْمَالِهِمْ. (متفق عليه) , ونقول نحن: إنا لنرجو أن نكون صادقين في محبتنا لله ولرسوله وللصحابة أجمعين, فنلحق بهم, وإن لم نعمل كأعمالهم.
ومما لا يختلف عليه اثنان, ولا يتناطح فيه عنزان أن المحب لمن يحب مطيع, ولذلك لما صَدَق الناس كبارًا وصغارًا في محبتهم للاعبي المنتخب جعلوا يزحفون خلفهم قدر جهدهم, فإن أعياهم ذلك, وبعدت عليهم الشقة, وفاتهم الوصول إلى ملاعب المباريات لمتابعة فعاليات الدورة الكروية جعلوا يرقبون -وعن كثب- حركاتهم وسكناتهم, وماذا يأكل اللاعبون؟ وكيف يشربون؟ ومتى ينامون؟ وتفاصيل التفاصيل, ويتابعون أولاً بأول وبنهم شديد أخبارهم, ثم يتفانون في تقليدهم ومحاكاتهم -ونحن كذلك مهما صدقت محبتنا لمحمد -صلى الله عليه وسلم- تابعناه, وتلمسنا خطاه التي سلكها على طريق الإيمان خطوة خطوة بداية من لا إله إلا الله, ومرورًا بالحياء, وانتهاء بإماطة الأذى عن الطريق-, فبذلك وبذلك فقط نبرهن, وندلل على صدق محبتنا, وإلا فما هي إلا مجرد دعوى تفتقر إلى بينة, وقد ادعى قوم محبة الله, فابتلاهم الله بهذه الآية: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران:31).
ومهما بحت أصواتنا بإعلان محبته -صلى الله عليه وسلم-, وأظهرنا التألم والتأسف على فوات رؤيته وصحبته, وتناثر وتكاثر منا معسول الكلام في التعبير عن عظيم مودته, فما هي إلا دعاوي كاذبة لمحبة زائفة, حتى نترجم تلك المحبة إلى اتباع السنة, ونحن الآن كلنا على المحك, وعلى قدر نصرتنا اليوم لدين الله, ولسنة رسوله, وذبنا عن ذلك على قدر نصرتنا لرسول الله, وذبنا عنه لو أدركناه حال حياته -صلى الله عليه وسلم- سواء بسواء.
وقد ألزم الله علينا طاعته, وحذر من مغبة عصيانه؛ فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) (الأنفال:20) , وقال: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النور:63) .
ولقد كان للصحابة وللصحابيات الأيادي البيضاء في امتثال أمره, ومن ذلك أن رسول الله لما نمى إلى سمعه أنه قد اختلط الرجال بالنساء في الطريق؛ قال للنساء: ( اسْتَأْخِرْنَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ عَلَيْكُنَّ بِحَافَاتِ الطَّرِيقِ ) فجعلت المرأة تلتصق بالجدار حتى أن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) .
وما أحوجنا في هذا الزمن الذي جفت فيه شجرة المحبة, وتيبست أوراقها إلى غيث ووابل يذهب الظمأ, وتبتل به العروق, وهذا الغيث يأتينا من خلال هذا البث الحي المباشر الذي يجسد محبة الأحبة -رضي الله عنهم- للحبيب -صلى الله عليه وسلم-, وكيف أنهم لما كانوا أعمق الأمة إيمانًا كان لهم من محبته أوفر الحظ, حتى فدوه بآبائهم وأبنائهم وأنفسهم, وقاتلوا دونه, وذبوا عن شريعته, وبذلوا في سبيل ذلك المهج والأرواح, حتى رفرف عَلَم التوحيد على ربوع العالمين, فإلى هذا البث عساه أن يشحذ منا الهمم, فنتأسى بهم في حبهم لحبيبهم, وذبهم عن دينهم.
وباكورة ذلك لأبي بكر ذلكم الرجل العظيم الذي لما اكتملت وتمكنت محبة رسول الله من قلبه؛ أتت بالأعاجيب؛ تقول عائشة -رضي الله عنها-: "لما علم أبو بكر بأنه سيكون رفيق الهجرة بكى, وما كنت أعلم أن أحدًا يبكي من الفرح, حتى رأيت أبا بكر باكيًا يومئذ".
ولما دنا منهما سراقة جاءت عيناه بالدمع, فسأله رسول الله عن بكائه فقال: "والله ما أبكي على نفسي, وإنما أبكي عليك".
ولما خطبهم رسول الله قائلاً: ( إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ ) (رواه البخاري) , بكى الأسيف قائلاً: نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأبنائنا, فتعجب الصحابة لبكائه. إن رسول الله يخبر عن عبد خيره الله, فما بال أبي بكر يبكي, فما لبثوا أن علموا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان هو المخيَّر, وهو المخبر عن نفسه, ولم يعقلها يومئذ إلا أبو بكر -رضي الله عنه-.
أما عمر فقد ظل على العهد حتى إذا كان قبيل وفاته كان أهم ما يهمه هو أن يدفن بجوار حبيبه -صلى الله عليه وسلم-, ولذلك قال لابنه عبد الله: "انطلق إلى عائشة فقل: يقرأ عليك عمر السلام, ولا تقل أمير المؤمنين, فإني لست اليوم للمؤمنين أمير, وقل: يستأذن عمر أن يدفن بجوار صاحبيه, فلما فعل قالت عائشة: كنت أريده لنفسي, ولأوثرنه به اليوم على نفسي, فلما أقبل عبد الله قال له عمر: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين. أذنت. قال: الحمد لله. ما كان من شيء أهم إلي من ذلك", وهكذا تفعل المحبة بأهلها.
أما ربيعة بن كعب الأسلمي, فقد أتيحت له فرصة العمر يوم أن قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( سَلْ )؟ فقال دون تردد ولا تفكير: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ: ( أوَ غَيْرَ ذَلِكَ )؟ قُالْ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ: ( فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ ) (رواه مسلم) .