حب الحبيب -صلى الله عليه وسلم-
سعيد صابر • التزكية
ورابع بلغ فرط محبته للحبيب أن قال: يا رسول الله إنك لأحب إلى من نفسي, وإنك لأحب إلي من ولدي, وإني لأكون في البيت فأذكرك, فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك, وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين, وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك, فلم يرد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى نزل جبريل بهذه الآية: ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) (النساء:69) .
وسعد بن الربيع بعث رسول الله زيدًا في طلبه يوم أحد وقال له: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: يقول لك رسول الله: كيف تجدك؟ فأدركه زيد في آخر رمق وبه سبعون ما بين ضربة ورمية وطعنة, فقال: يا سعد إن رسول الله يقرؤك السلام, ويقول لك: كيف تجدك؟ فقال سعد على رسول الله, وعليك السلام قل له: أجدني أجد ريح الجنة, وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله أن يخلص إلى رسول الله, وفيكم عين تطرف, ثم فاضت نفسه -رضي الله عنه-, فأي محبة هذه التي اعتملت في قلوب القوم, حتى فجَّرت تلك العواطف الجياشة, وأثارت تلك المواقف الفريدة التي يعز أن تجد لها نظيرًا -اللهم إلا في عصر الصحابة عصر التألق الإيماني-.
وهذا مشهد إيماني آخر ينم عن مدى تدفق مشاعر الحب لرسول الله في قلوب الأنصار-رضي الله عنهم-، إذ لما قسَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الغنائم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم؛ لحداثة عهدهم بالإسلام، ولم يعط الأنصار شيئًا فكأن بعضهم وجد في نفسه فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجمعهم ثم حمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل ثم قال: ( يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ, وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ )؟ قَالُوا: بَلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ وَأَفْضَلُ. قَالَ: ( أَلاَ تُجِيبُونَنِي يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ )؟ قَالُوا: وَبِمَاذَا نُجِيبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَلِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنُّ وَالْفَضْلُ؟! قَالَ: ( أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَصُدِّقْتُمْ: أَتَيْتَنَا مُكَذَّباً فَصَدَّقْنَاكَ, وَمَخْذُولاً فَنَصَرْنَاكَ, وَطَرِيداً فَآوَيْنَاكَ, وَعَائِلاً فَآسَيْنَاكَ, أَوَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُم يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ فِي لُعَاعَةٍ مِنَ الدُّنْيَا تَأَلَّفْتُ بِهَا قَوْماً لِيُسْلِمُوا, وَوَكَلْتُكُمْ إِلَى إِسْلاَمِكُمْ, أَفَلاَ تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ, وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ فِي رِحَالِكُمْ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءاً مِنَ الأَنْصَارِ, وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ شِعْباً لَسَلَكْتُ شِعْبَ الأَنْصَارِ, اللَّهُمَّ ارْحَمِ الأَنْصَارَ, وَأَبْنَاءَ الأَنْصَارِ, وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الأَنْصَار ِ) قَالَ: فَبَكَى الْقَوْمُ حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ, وَقَالُوا: رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَتَفَرَّقُوا. (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
بعد تلك المحاضرة الماتعة في فن التعامل مع النفوس, واستجلاب العبرات, واستثارة مشاعر الحب, وإيقاظ فلول المودة الكامنة.
اللهم صلِ على محمد ما مر النسيم على الأزهار, وصل على محمد ما هطلت الأمطار, وصل على محمد ما تعاقب الليل والنهار, وصل على محمد ما فاحت الأشجار بالأزهار والأنوار.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.