شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفضائيات الإسلامية ومنزلق التدجين والتهجين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

نعلم أنَّ "الحقل ملغم بالأشواك"، ولكن منذ متى كان طريق الدعوة مفروشًا بالورود، والذكي الحاذق المقدِّر لمسئولية الكلمة لا يعدم ولو توضيحًا يشير به إلى تكامل المنهج الإسلامي، وعدم حصره فيما يقدمه هو أو تقدمه القناة؛ هذا إن عجز عن تقديم المنهج متكاملاً أصلاً.

وأي تصرف غير ذلك هو قبول بـ"التدجين" الذي نعاه الأستاذ "محمود شاكر" على من قَـبِلَ من شيوخ الأزهر دخول الديوان، ولكن يبدو أن من أبرز أمراضنا الراهنة سرعة النسيان!

كان التحفظ السابق هو التحفظ الأبرز على القنوات الفضائية الإسلامية بيد أننا لم "نبرزه" مراعاة أن الغالب عليها كان المصلحة والخير حتى انضم إليه صنوه.

وهو: "التهجين":

وهو أمر لا يقل خطره عن "التدجين" -إن لم يزد-، وأخص بالكلام هنا القنوات الإسلامية التي تقدم نفسها للناس عن طريق نوعية البرامج وأسماء المحاضرين على أنها قنوات "سلفية"، وذلك أن السلفية كاتجاه دعوي من أهم سماته هو رفضه لكل صور الحلول الوسط بين الإسلام النقي إسلام الصحابة -رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان، وبين البدع: كالصوفية والشيعة والأشاعرة، ومن باب أولى البدع المعاصرة وعلى رأسها: العلمانية؛ وهو ما دفع أمريكا قائدة العالم الغربي إلى التحالف مع كل أعداء السلفية من: الشيعة -كما في العراق- والصوفية -كما في مصر-؛ لمحاولة فرض "حالة من العزلة على السلفية" تقبل معها بالحلول الوسط، وعندها سيكون على رأس الموضوعات المطروحة للمهادنة "المهادنة مع العلمانية".

ونسوق على ذلك شواهد سريعة من محاولات تقديم سلفية مهجنة عبر القنوات الفضائية ذات السمت السلفي العام في السنوات الأخيرة:

1- إفساح إحدى القنوات الإسلامية المجال لرجل ذي ميول شيعية لتقديم برامج في قناة نالت شهرتها من برامج مشايخ معروفين بانتمائهم للتيار السلفي، وحسنًا فعل هؤلاء المشايخ وقتها بمقاطعة القناة حتى رضخت واستبعدت ذلك الرجل.

2- بيد أن الموضوع تكرر مرة ثانية مع الأستاذ "عمرو خالد"، والذي يقدم نموذجًا من الانفتاح على الغرب دفع أحد رموز الإخوان، وهو الأستاذ "وجدي غنيم" إلى الرد العلني العنيف عليه؛ فكيف يمكن أن يكون موقف السلفيين منه؟! وانتهت هذه الأزمة أيضًا باستبعاد برامج الأستاذ "عمرو خالد" من هذه القناة.

3- بعدها ظهرت الإعلانات التجارية على هذه القنوات، بصورة مبتذلة لا تراعي هيبة القناة كقناة دينية، ولا تحترم عقل المشاهد، ولا تراعي حقه كمستهلك في أن يكون الإعلان معبرًا عن قيمة السلعة تعبيرًا أمينًا.

4- ومن الظواهر فتح باب الاتصال على الهواء، والذي غالبًا ما يفتتحها المتصل بوصلة مدح مخالفة للسنة التي تنهى المادح عن مدح الرجل في وجهه، والتي تأمر الممدوح أن يحثو في وجه المادح التراب، أو على الأقل مطالبته بالدخول في السؤال مباشرة، ويزيد الطين بلة أن يكون المتصل امرأة، وأن تعيد وتزيد في المدح والثناء، أو يتطرق الحوار إلى نوع من المزاح!

5- ثم بعد ذلك دخلت ظاهرة المذيعات المنقبات، وبدا الأمر في غاية التناقض "إعلامية" مغطاة! وظهرت أسئلة من نوعية: هل يخلو المُخرِج بها في الأستوديو؟ أم تحضر معها محرم؟ أم.. ؟!

وطبعًا حجة من يفعل ذلك أن هذه برامج نسائية، وكأنه عند عرضها تشفر القناة عن أعين وأذان الرجال! أو قد يقولون: إن المرأة يمكن أن تعلِّم الرجل، وكأن هؤلاء المذيعات اللاتي يأتون بهن عندهن من العلم ما ليس عند الرجال ليُتجشم عناء خروجهن على الشاشة؛ ليعلِّموا الرجال والنساء، ولا شك أنها حالة تطبيع مع "الشو الإعلامي" العام!

6- وقريب منها -إن لم يكن أفحش-: الاستعانة بفتيات ناهزن البلوغ للقيام بدور المغنيات أو المذيعات بكامل لوازمه!

7- ثم جاء دور المخالفات الصريحة بإجراء المسابقات التليفونية، وهي مقامرة صريحة لما فيها من "غرم متحقق" مع "غُنم مظنون"، والغرم هنا هو: سعر المكالمة التي تكون في هذه الحالات مناصفة بين شركة الاتصالات وبين القناة الفضائية؛ سواء كانت المكالمة بسعر خاص كما هو الغالب أو بالسعر العادي؛ فَتَرَبُّح القناة من الاتصال يجعل الصورة مقامرة صريحة لا تختلف عن ورق اليانصيب في شيء.

8- ثم جاءت مسابقة قراءة القرآن على "مقامات الموسيقى" (2) ! قمة الاستهانة بحق القرآن وتشبيهه بمزمور الشيطان، وإخراج القارئ له عن التدبر والتأمل إلى مشابهة حال المشركين الذين قال الله فيهم: ( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) (الأنفال:35) !

والأعجب من ذلك أن صاحب هذا ثناء من أحد الشيوخ على هذه القناة ثناء فـُهم منه الرضا والموافقة على هذا العبث! ثم عندما عوتب اعتذر بأنه أثنى على القناة وعلى صاحبها وإن كان قد نصحه سرًا بعدم إتمام البرنامج! وكأن كارثة النصيحة في السر (3) التي يدعيها البعض هي الطريق الوحيد لنصيحة ولاة الأمور انتقلت إلى أصحاب القنوات الفضائية؛ مما ينذر بتحول مسلك النصيحة في السر مع ما في ذلك من تلبيس على العامة إلى سلوك عام حتى مع أصحاب القنوات الفضائية الذين يحتاجون إلى ظهور الدعاة على قنواتهم أكثر بكثير من حاجة الدعاة إليهم.

فالنصيحة لأصحاب الفضائيات: من دخل منهم هذا المجال طاعة لله؛ فليحرص تمام الحرص على التأكد من شرعية أي عمل قبل تقديمه على قناته، وليوسع دائرة استشارته لا سيما في الأمور المستحدثة: كقراءة القرآن على مقامات الموسيقى.

وأما من دخل منهم كتجارة: فلن يثنيه عن هذه المخالفات إلا مقاطعة الدعاة والجمهور لقناته حتى يعود إلى جادة الصواب.

والنصيحة لشيوخ الفضائيات: إما أن تحافظوا على نقاء المنهج وإما أن تعودوا إلى مساجدكم.

والنصيحة إلى جمهور الفضائيات: أن يقاطِع كل قناة إسلامية تسيء إلى الإسلام بفعل أي مخالفة للشرع.

وفي هذا السياق يجب أن نؤكد على عدة أمور:

الصفحة السابقة الصفحة التالية