شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الفضائيات الإسلامية ومنزلق التدجين والتهجين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الأول: أن الإنكار هنا يتوجه على من فعل شيئًا من هذه المحظورات أو غيرها أو ساهم فيه بصورة أو بأخرى، وقد ذكرنا في ثنايا الكلام بعض التصرفات التي صدرت من أصحاب القنوات والتي لاقت إنكارًا من شيوخ هذه الفضائيات -جزاهم الله خيرًا-، وبالتالي فلا وجه لتوجيه اللوم لهم، ولكن أبقينا ذكر الموقف للدلالة على خطورة هذا المسلك، وأنه لا يقتصر على ممارسة بعينها.

الثاني: أننا قصدنا إلى تعمية الأسماء؛ لأنها مواقف متفرقة لم تصدر كلها من شخص واحد أو قناة واحدة، والمعهود من البشر عمومًا وفي هذا المجال خصوصًا كثرة تغير التوجهات؛ فكان التركيز على التوجه أهم من التركيز على صاحبه.

وليس المقصود من ذلك تعميم الأخطاء بأي حال من الأحوال، ولا إلزام كل القنوات، ولا كل الدعاة بخطأ البعض.

الثالث: أن التراجع عن الخطأ أمر يُحمد لصاحبه في كل الأحوال، ولكن البعض أثناء تراجعه يحاول تخفيف حدة خطأه السابق؛ فيأتي بخطأ آخر دون أن يشعر؛ مما يستدعي إنكارًا جديدًا!

الرابع: نعود فنؤكد على أن الفضائيات باب عظيم من أبواب الدعوة العامة التي ينبغي أن يستثمرها دعاة الحق مع الحذر من هذه المزالق التي يريد بها شياطين الجن والإنس إفساد هذه الوسيلة الدعوية.

نسأل الله -تعالى- أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عد كثير من الناس أن رأي الدعاة لا سيما السلفيين منهم قد تغيَّر في هذه المسألة، واعتبروه دليلاً على أن نظرهم السابق في المسألة كان متسرعًا، وفي الواقع أن هذا نتيجة تغير الواقع وإسقاط الحكم المناسب لكل واقع عليه، وهو ينفي -بفضل الله- عن الدعوة تهمة الانغلاق وعدم الدراية بالواقع من حولها، والتي يدندن حولها الكثير من خصومها.

كما أن تغير نظرة الباحث في أمر ما وارد على الجميع، وحدث من كبار الأئمة؛ فضلاً عن غيرهم، ولكن هذه المسألة ليست من هذا الباب كما أسلفنا.

(2) للاطلاع على أقوال أهل العلم قديمًا وحديثًا في إنكار هذه البدعة الشاذة راجع مقال: "المزمار الذهبي" للشيخ "عصام حسنين".

ولكن نريد فقط هنا أن نوضح الفكرة العامة لهذه البدعة ومدى نكارتها؛ فنقول:

إن "المقام الموسيقي" يشبه إلى حد ما بحور الشعر عند الشعراء، فكما قام "الخليل بن أحمد" بتحليل الشعر، ووجد أن هناك "أوزانًا" معينة محصورة قادرة على إيصال إيقاع صوتي متناغم متجانس يعطيك لذة السمع بالتوافق بين إيقاع كل بيت، فقد درس فلاسفة العصر العباسي كالكندي وغيره المقطوعات الموسيقية؛ ليكتشف أن هناك فقرات موسيقية أساسية يمكن تحليل أي نسيج موسيقي إليها.

وأن هذه الفقرات الموسيقية الأساسية هي عبارة عن عدد من الأصوات الموسيقية المتتابعة والمتفاوتة في الشدة صعودًا وهبوطًا؛ بحيث تعطي في النهاية إحساسًا ما: إما بالفرح أو الحزن، أو التأمل، أو غيرها من الأحاسيس.

وعُرِفت هذه الفقرات الأساسية "بالمقامات"، والتي أصبحت بالنسبة للموسيقيين لَبِنات يمكن أن يُكوِّنوا منها مقطوعة موسيقية كبيرة تحكي تجربة شعورية فيها فرح، ثم حزن، ثم نسيان كما هي غالب عادتهم في ذكر الحب والهجر، وما يعقبه من حزن أو نسيان أو معنى آخر.

وهذا المعنى في الموسيقى بغض النظر عن اقترانها بالقرآن هو أحد الحكم التي استنبطها العلماء لتحريم الشرع للموسيقى حتى سماها "ابن القيم" -رحمه الله- وغيره بـ"خمر النفوس"؛ ذلك أن الموسيقى تخاطب الغرائز البهيمية في الإنسان، وتسلب العقل سلطانه على الجوارح والمشاعر، وتتولى هي إعطاءه حزنًا أو فرحًا أو شجاعة، كل هذا بعد عزل سلطان العقل.

ومن أعجب ما ابتلي به أصحاب الغناء أنك تجد أنهم ربما ركَّبوا ألحانًا راقصة على كلمات حزينة، وتكون الغلبة بالطبع لللحن؛ فتجد سامعيها يتراقصون على أنغامها!

ولهذا المعنى أيضًا قيَّد العلماء إباحة الإنشاد الخالي من الآلات الموسيقية بألا يكون على هيئة غناء المغنين؛ أي: خُلوَّه من تنغيم تلك المقامات التي تتوغل في أوصال النفس.

وأما القرآن فإنما نزل للتدبر والتأمل ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ) (ص:29) ، فلابد أن تكون الغلبة فيه للكلمة، ولاسيما وكلمات القرآن فيها تنغيم ذاتي من تتابع الحركات والسكنات في الجملة، جعله مستغنٍ عن أوزان الشعراء؛ فاستغناؤه عن مقامات الموسيقيين أولى.

وإنما يستحب للقارئ أن يتغنى بالقرآن مترنمًا به على وفق ألفاظه ومعانيه، لا أن يركِّب عليه مقامًا يعطي رسالة ذاتية قد تتفق أو تختلف معه لفظًا ومعنى، ووصلاً ووقفًا؛ فهذا مما لا يقول به عاقل يعلم أن القرآن كلام، بل أبلغ كلام يُراد منه أن يعقل منه قارئه معناه، وأن يشعر بالشعور الملائم لهذا المعنى؛ ومن ثمَّ يستقر عنده ما اكتسبه من حب لخير أو بغض لشر، أو تَخَلُّق بخلق: كالصبر، والحلم، ونحوها... بخلاف الموسيقى التي لا تعطي إلا شعورًا وهميًا كاذبًا يشابه تمامًا الشعور الذي تمنحه الخمر لشاربها!

بقيت شبهة:

أن البعض يقول: إن ما من قارئ إلا ويقرأ بمقام شئتم أم أبيتم، وأن ما يفعلونه هو إرشاد القارئ لأنسب مقام تقرأ به كل آية!

نقول: إن الزعم بأن هذه المقامات قد استوعبت كل الاحتمالات زعم باطل، فعند اختيار مقام معين تقرأ به آية فأيهما سيخضع للآخر؟ فإن قلتَ: إنك تخضع المقام للفظ الآية؛ لم يبقَ للمقام فائدة، وبقي الأمر على ما ذكرنا من ترتيل الكلام والتغني به بحسب ألفاظه ومعانيه.

وإن قلتَ: إن الغلبة للمقام كان هذا من التحريف والتبديل لمعاني القرآن إن لم يكن لألفاظه، وقد حدث هذا بالفعل كما ذكر من شاهد تلك التجارب الأولى، وكيف قاد الاستغراق في المقام لكثير من القراء بزيادة مد أو حذفه! وربما أدغم حرف حتى وكأنه لم يقرأ على طريق المغنين حينما يحاولون إخضاع ألفاظ أغانيهم لمقاماتها.

وأما تعلم هذه المقامات مجردة عن قراءة القرآن كنوع من التمرين له على حسن الأداء المتناغم حتى إذا جاء وقرأ القرآن طاوعه صوته على حُسن الأداء، فيمنع أيضًا سدًا للذريعة؛ لإيقاف باب العبث؛ وللبعد عن الافتتان بأحوال أهل الفسق والفجور.

الصفحة السابقة الصفحة التالية