شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

التوحيد أولاً.. شبهات وردود

محمد سرحان • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد رفع السلفيون شعار: "كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة"، و"كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة"، و"التوحيد أولاً"؛ إيمانًا منهم -بالأدلة من الكتاب والسنة، والتاريخ، والواقع أن المسلمين لن تقوم لهم قائمة، ولن يحدث التمكين للمسلمين في الأرض، ولن يسودوا الدنيا إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله، وتحقيق العبودية لله -تبارك وتعالى-، وقد شغـَّب على هذا المعنى بعض الناس عن حسن نية، وحسن قصد تارة، أو عن عاطفة جياشة محبة للأمة تارة، أو عن تعب من طول الطريق تارة، أو عن جهل وعدم علم بالكتاب والسنة وتاريخ الأمة تارة أخرى، فدارت بعض الشبهات في هذه القضية نجمل أهمها:

الشبهة الأولى: أن الكلام في التوحيد، وفي مثل هذه القضايا يفرق الأمة، ونحن نريد توحيد الأمة!

بادئ ذي بدء: إن الذي يفرق الأمة هو من يخالف كتاب الله -تعالى-، وسنة النبي -الله صلى الله عليه وسلم-، ومن يدعو إلى ضلالة، أو بدعة تخالف ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإن الله تعبدنا باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يتعبدنا باتباع قول أحد غيره كائنًا من كان، قال -تعالى-: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (آل عمران:31) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ) (النور:54) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

وقال الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا المقام، وأشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-"، فعكس للأمور، وقلب للحقائق أن يقال: إن من يدعو إلى السنة، وإلى تحقيق اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الذي يفرق الأمة، وإلا لكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مخطئًا حين حارب الخوارج -بعد أن بعث لهم ابن عباس -رضي الله عنهما- فناظرهم وأدحض حججهم، ورجع معه آلاف منهم-، ولكان الواجب عليه أن يحتضنهم لتجميع الأمة، وهذا لا يقوله مسلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن صحة ما فعله علي -رضي الله عنه- حين قال: ( فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ ) (متفق عليه) .

ثانيًا: لم يقم أهل البدع والضلالات يومًا ما بنصرة الأمة، أو الجهاد في سبيل الله، والقيام بالفتوحات، بل التاريخ يظهر أنه يوم أن تمكن العبيديين الشيعة المسمون زورًا بـ"الفاطميين" في مصر والحجاز؛ ماذا فعلوا إلا تعطيل الجهاد والفتوحات، ونشر البدع والضلالات والانحرافات، ولم تقم للأمة قائمة إلا بعد أن تخلص "صلاح الدين الأيوبي" منهم بعد محاولاتهم العديدة لقتله، وما فعله القرامطة -حتى اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه عندهم- شاهد آخر، وحين تمكن المعتزلة زمن الإمام أحمد ما فعلوه فيه، وفي أهل السنة، وهذا حال أهل البدع على الدوام، وانظر ما فعلوه في شيخ الإسلام ابن تيمية، وفي البربهاري، وغيرهم من أئمة السنة.

وحين مُكِّن للشيعة في إيران لا يخفى ما فعلوه في أهل السنة ويفعلونه إلى اليوم، وما يفعلونه في العراق، "ومن نافلة القول أن نقول: إن هذا ليس حال أهل السنة معهم حينما يمكنوا" ولم توحد الأمة، ولم تقم لها قائمة، ولم تفتح البلاد، وترفع راية الإسلام إلا على يد أهل السنة والجماعة.

ثالثـًا: التجربة الأفغانية في الثمانينات شاهدة على صحة المقولة: "التوحيد أولاً" و"كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة"، وخطأ الذين يريدون توحيد الأمة على غير هذا المنهج. فرفقاء الجهاد الذين حاربوا الروس قرابة السبعة عشر عامًا بذلوا ما بذلوا حين مُكن لهم، وحاولوا التوحد مع وجود السني والشيعي والصوفي ما لبثوا إلا أن تقاتلوا، فكل واحد يريد كل شيء لنفسه ولمنهجه، وقتل من الأفغان في هذه الفتنة أكثر مما قتل في جهاد الروس كما يقول بعض المحللين، وقد توقع بعض أهل العلم هذه الفرقة بسبب وجود المناهج المختلفة قبل أن يُمكَّن الأفغان بسنوات، ولم يكن هذا رجمًا بالغيب، ولكنها القراءة الواعية للسنن والتاريخ.

رابعـًا: محاولات التقريب بين السنة والشيعة -على سبيل المثال- في العصر الحديث -ولنأخذ منذ زمن الشيخ "محمد رشيد رضا" -رحمه الله- إلى الآن، واشترك فيها من كان لهم مكانة وشهرة في الأمة في زمانهم كأمثال الشيخ "حسن البنا" -رحمه الله-، والدكتور "مصطفى السباعي"، وانتهاءً اليوم بالدكتور "يوسف القرضاوي"- ما أفلحت في توحيد السنة والشيعة، بل باءت بالفشل رغم تنازلات أهل السنة الكثيرة، والكل يعلم نتيجة ما حدث، وآخره ما كان من كلام الدكتور يوسف القرضاوي؛ لأن المنهج الذي تتوحد عليه الأمة ليس هو التوحد وكفى أيًّا ما كان الأمر حتى ولو بالتنازل عن ثوابت الأمة.

خامسًا: كيف يكون في جيش واحد، وصف واحد، ومكان واحد من يتعبد بالترضي على أبي بكر وعمر والصحابة أجمعين مع من يتعبد بلعنهم وتكفيرهم، ومن إذا اضطر؛ قال: يا بدوي، ويا دسوقي، مع من إذا اضطر؛ فزع إلى الله -تعالى-؟! كيف يتفقون ويتوحدون، وكيف يتعاملون مع بعضهم في مكان واحد وخندق واحد؟؟!!

سادسًا: إن المنهج الذي ستتوحد عليه الأمة هو ما ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال: ( تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ، أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ. ثُمَّ سَكَتَ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) , فإلى من يريد توحيد الأمة في آخر الزمان... ستتوحد الأمة على منهاج النبوة على مثل ما كان عليه أبو بكر وعمر وغيرهما من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهل بعد هذا المقال من مقال، وبعد كلام النبي من كلام؟!

الصفحة التالية