التوحيد أولاً.. شبهات وردود
محمد سرحان • المنهج السلفي
وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً ) قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، فهل بعد هذا البيان من بيان؟!، وهل بعد هذا التوضيح من توضيح؟ !
الشبهة الثانية: أن الأمة اليوم موحِّدة فلا حاجة للكلام فيه!
بداية؛ من ثوابت المنهج السلفي: عدم اتهام أحد من المسلمين الذين ثبت إسلامهم بيقين بالكفر، وهذا واضح بيِّن لا يحتاج إلى مناقشة، بل الأصل في المسلم أنه على منهج أهل السنة والجماعة، وليس من أهل البدع إلا إذا ظهر منه ما يدل على خلاف ذلك، ولكن التوحيد أفرض الفروض، بل هو أهم وآكد أركان الإسلام، وتعلمه وتعليمه واجب، فهل يقول أحد: لا نعلم الناس الصلاة والزكاة، ونكتفي بمعرفتهم؟ لا يقول ذلك أحد، فكيف بما هو أهم منهما؟! فهذا قيام بأحد الفروض علينا كقيامنا بالصلاة والزكاة، والحديث عن هموم الأمة ومشاكلها، والدعوة إلى الله وغير ذلك.
ثانيًا: لا يخفى وقوع بعض المسلمين في مخالفات كثيرة، كالتوسل بغير الله، والتمسح بالأضرحة، وعدم التحاكم إلى الشرع، وغير ذلك من المنكرات التي تعج بها المجتمعات الإسلامية، ففي تعليم الناس التوحيد، وتعريفهم بدينهم بيان للجاهل والمخالف، ورده إلى الحق وحتى لا يقع غيره من المسلمين في هذه المخالفات، فإذا كان بعض الصحابة من مسلمة الفتح جهل بعض قضايا التوحيد كما في حديث "ذات أنواط"، فغيرهم من المسلمين يقع في مثل ذلك، لذا؛ قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتاب "التوحيد" في المسألة الرابعة من مسائل باب: "من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما": "أنهم -أي: الصحابة من مسلمة الفتح- إذا جهلوا هذا، فغيرهم أولى بالجهل"، بالإضافة إلى أن هذه المسائل جزء من الدين يجب علينا تعلمها.
الشبهة الثالثة: أنتم تتكلمون في هذه القضايا، والمسلمون يذبحون، ويقتلون، ويشردون في كل مكان، بل قد يتجرأ البعض، فيقول: دعوا هذه المسائل، وفقه دورات المياه، والمسالك البولية، واهتموا بما هو أهم!
أولاً: يجب على كل مسلم احترام وتقدير كل ما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من واجب، أو مستحب، من صغير أو كبير في نظره -وإن كان ليس في الإسلام صغير وكبير، أو قشر ولباب، بل ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- يدور بين الأهم والمهم-، ولا يتكلم بالكلام الذي يشعر بانتقاص بعض مسائل الدين؛ لأن بعض من لا علم عنده يستخدم مثل هذه الكلمات بأسوأ مما يكون، بل يتجرأ بسببها على السنة، وعلى علماء الأمة، بل وعلى الشريعة التي يدعو إلى تحكيمها.
ثانيًا: الاهتمام بالمسلمين وقضاياهم من التوحيد، ومن معنى: لا إله إلا الله، وتحقيقـًا لعقيدة الولاء والبراء.
والمنهج السلفي يقدم ما قدم الله، وينزل كل قضية منزلتها، ويحقق عبودية الوقت، ومواقف السلفيين عبر التاريخ من قضايا المسلمين سواء في فلسطين أو أفغانستان أو الشيشان أو البوسنة أو غيرها من بلاد المسلمين شاهد على هذا الاهتمام، ولكن هناك من يكثر الضجيج والصراخ مع ما ماله من القوة الإعلامية حتى يظن الظان أنه الوحيد الذي يفعل كل شيء، وغيره لا يفعل شيئًا!
بل إن المنهج السلفي يتميز عن غيره بتأصيل هذه القضايا من منظور إيماني عقدي لا يزول بزوال محنة المسلمين في بلد ما، لا من منظور عاطفي إعلامي ينتهي ويزول بمجرد حذف هذه القضايا من مقررات النشرات الإخبارية.
وأيضًا بتعريف كل فرد من الأمة ما يمكنه فعله سواء كان شيخًا كبيرًا أو امرأة عجوزًا أو طفلاً، ولا يكتفي بمجرد إثارة عواطف الشباب بكلمات قوية معسولة أو خطب رنانة.
ثالثـًا: نُعرِّف لكل فرد ما يجب عليه حتى يقوم كل فرد في الأمة بما يستطيع، حتى ولو كان شيخًا كبيرًا، أو امرأة عجوزًا، ولا نكتفي بمجرد إثارة عواطف الشباب بكلمات معسولة، وخطب رنانة.
رابعـًا: أننا نؤدي هذا الفرض الذي علينا من تعلم التوحيد وغيره من قضايا الدين، ونعلمها وندعوا أنفسنا والمسلمين من حولنا إلى العمل بها والتمسك بها، ولاشك أن هذا عمل صالح، فلعلنا بهذا نكون أقرب إلى الله -تعالى-، فإذا دعوناه؛ علـَّه أن يغير حالنا.
الشبهة الرابعة: نحن في القرن الواحد والعشرين، فهل يعبد أحد الأصنام حتى نتكلم في هذه القضايا!
لا يخفى على أحد: أن الكلام عن عبادة الأصنام ليس هو التوحيد كله، فمسائل التوحيد كثيرة من الإيمان بالرسل، والكتب، والقدر، واليوم الآخر، وما يتعلق بذلك.
ثانيًا: أن في الكلام على ذلك تنبيه على غيره من كل ما يعبد من دون الله.
ثالثـًا: في القرن الواحد والعشرين، وفي أكثر البلاد حضارة -على زعمهم- أمريكا مثلاً فيها عبادة الشيطان، ولها معابدها وعبادها، وعبادة الشيطان بالمعنى الموجود عند هذه الطائفة لم يفعلها حتى أبو جهل وأبو لهب، وفي الهند -وهي دولة نووية كبيرة- يعبد فيها البقر، والفئران، وغير ذلك حتى قال بعض أهل العلم: فصار كل شيء يتحرك يعبد هناك من دون الله، وفيها ما يقرب من ثلاثة آلاف ديانة، وما الذي حدث مع صنمي بوذا في أفغانستان عن الأذهان ببعيد؟!!، فهذه قضايا يحتاجها المسلم في كل عصر ومصر.
رابعـًا: الكلام في مسائل التوحيد والإيمان هو كلام في كل ما يتعلق بشريعة الإسلام من: فقه وسيرة وأصول وآداب وتربية وغير ذلك، ولا يعرف ذلك إلا من درس التوحيد ودرَّسه، وربى الناس عليه مقتديًا بمنهج وطريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- في تربية أصحابه على التوحيد.
الشبهة الخامسة: أن هذه المسائل من مسائل الترف العقلي!
وهذه شبهة لا تستحق الكلام عليها، فكيف يقال على أصل الدين، وأفرض الفروض، وأصل دعوة جميع الرسل ترف عقلي!! هذا بهتان عظيم.
هذه في نظري أهم الشبهات والرد عليها، فإن كان فيها من صواب؛ فمن الله، وإن كان من خطأ؛ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- منه براء.
وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وصلِ اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.