شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

في ظلال كتاب "الأدلة" من عودة الحجاب

محمد سرحان • قرأت لك

وذكر منها الشيخُ تحريمَ الزنا وبيان أنه خراب للدنيا والدين، وأسهب الشيخ -حفظه الله- في بيان ذلك مؤيدًا كلامه بالآيات والأحاديث والآثار، ومنها منع الزواج مِمَّن عرف أو عرفت بالفاحشة إذا لم يتب، ومنها تحريم قذف المؤمن والمؤمنة بالفاحشة، ووضع الشرع عقوبة زاجرة وهي الجلد ثمانين جلدة، وحرم الله مجرد حب إشاعة الفاحشة، وحظر على الرجل أن يغيب عن زوجته مدة طويلة، ومنها فرض الحجاب على النساء، واعتبار قرارهن في البيت هو الأصل الأصيل في دائرة عملهن، وتحريم التبرج وإظهار الزينة والتجمل للفت نظر الأجانب، ومنها: تشريع الاستئذان، ومنها: الأمر بغض البصر، ومنها: تحريم مس الأجنبية ومصافحتها والخلوة بها، ومنها: تحريم خروج المرأة متطيبة متعطرة، وتحريم الخضوع بالقول، ومن أعظم وسائل الإسلام لتجفيف منابع الفتنة بالمرأة تحريم الاختلاط المستهتر، وهو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر أو الإشارة أو الكلام أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد، وقد ذكر المؤلف -حفظه الله- تحت كل أمر من ذلك أدلته من الكتاب والسنة.

الثاني: التدابير الإيجابية:

ومنها: الحث على الزواج، والترغيب فيه، وأنه من سنن الهدى وجادة الإسلام، مع النهي عن التبتل والرهبانية، ومنها: الترخيص لمن لم يقدر على نكاح الحرائر أن ينكح الإماء، ومنها: وجوب التعاون بين المسلمين على تزويج عزابهم من نساء ورجال حتى لا يبقى في القرية أو الحي عزب تخشى فتنته، ومنها: أمر الله -عز وجل- من لم يجد النكاح بالاستعفاف.

أما الباب الثاني: فكان عن معنى الحجاب وتاريخه، فذكر من معاني الحجاب أنه ساتر يستر الجسم فلا يشف ولا يصف، أي هو: حجب المرأة المسلمة من غير القواعد من النساء عن أنظار الرجال غير المحارم لها، فالحجاب لفظ ينتظم جملة من الأحكام الشرعية الاجتماعية المتعلقة بوضع المرأة في المجتمع الإسلامي من حيث علاقتها بمن لا يحل لها أن تظهر زينتها أمامهم.

أما السفور لغة فهو: كشف الوجه، وقد خرج اليوم عن معناه في أصل اللغة وتحول إلى التبرج الفاحش والاختلاط المزري بالأجانب -غير المحارم-.

وللحجاب درجات ثلاث بعضها فوق بعض في الحجاب والاستتار:

الأولى: حجاب الأشخاص في البيوت بالجُدُر.

والثانية: خروجهن من البيوت مستورات.

والثالث: خروجهن مستورات الأبدان من الرأس إلى القدم مع كشف الوجه والكفين عند أمن الفتنة عند بعض الأئمة، واتفق جمهور علماء المذاهب في هذا الزمان على وجوب تغطية الوجه والكفين من المرأة؛ سدًّا لذرائع الفساد وعوارض الفتن.

ثم تبع هذا الفصل الثاني عن تاريخ الحجاب عند أهل الكتاب، وقد كان حجاب المرأة معروفـًا بين العبرانيين من عهد إبراهيم -عليه السلام-، فمن النصوص عند أهل الكتاب -وقد ذكر الشيخ خمسة نصوص- في الإصحاح الرابع والعشرين من "سفر التكوين" عن "رفقة" أنها رفعت عينيها فرأت إسحاق، فنزلت عن الجمل وقالت للعبد: "من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائي؟"، فقال العبد: "هو سيدي"، فأخذت البرقع وتغطت".

ولقد عرفت العرب في جاهليتها حجاب القرار في البيت ونقاب الوجه، ولعل هذا من بقايا الحنيفية السمحة التى تلقاها عرب الجاهلية عن ملة إبراهيم -عليه السلام-، كما تلقوا منها الختان والعقيقة وغيرهما، وعرف ذلك من خلال آثارهم الأدبية وأشعارهم.

أما الباب الثالث: وهو من أهم أبواب الكتاب فَتَعرض فيه المؤلف لفضائل الحجاب ومثالب التبرج، فذكر مِن فضائل الحجاب أنه طاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وأنه من الإيمان لأن الله لم يخاطب بالحجاب إلا المؤمنات كما في قوله -تعالى-: ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ ) (النور:31) ، وقوله: ( وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأحزاب:59) ، وهو طهارة لقلوب المؤمنين والمؤمنات، قال -تعالى-: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) (الأحزاب:53) ، والحجاب عفة وستر وحياء، وهو يناسب الغيرة التى جُبل عليها الإنسان السوي، وذكر تحت كل فضيلة أدلتها من الكتاب والسنة، مع ذكر نماذج من حياة الصحابيات في حرصهن على الستر والحجاب، ونماذج من غيرة الصحابة -رضي الله عنهم-، وذكر مع ذلك أحداثـًا صنعتها الغيرة، ومواقفَ من غيرة الرجال.

أما مثالب التبرج فهو معصية لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وكبيرة من الكبائر مهلكة، وأنه يجلب اللعن والطرد من رحمة الله، وهو من صفات أهل النار، وهو سواد وظلمة يوم القيامة، وهو من صفات المنافقين، وهو تهتك وفضيحة وفاحشة وسنة إبليسية، ومن سنن اليهود والنصارى، وهو من صفات أهل الجاهلية، وهو تخلف وانحطاط وباب شر مستطير على الأمة يؤدي إلى شيوع الفواحش وسيطرة الشهوات وانعدام الغيرة واضمحلال الحياء وكثرة الجرائم وفساد أخلاق الرجال خاصة الشباب والمراهقين، ودفعهم إلى الفواحش المحرمة بأنواعها، وغير ذلك من شره على الأمة.

وقد أسهب الشيخ -سلمت يمينه- في بيان هذه المثالب وخطورة التبرج على الأمة وعلى المجتمع وعلى المرأة نفسها وعلى أسرتها.

ويأخذنا المؤلف في الباب الرابع إلى شروط الحجاب، وهي ثمانية:

استيعاب جميع بدن المرأة -على الراجح-، ألا يكون زينة في نفسه، أن يكون صفيقـًا لا يشف، أن يكون فضفاضًا غير ضيق، أن لا يكون مبخرًا مطيبًا، أن لا يشبه لباس الرجال، أن لا يشبه لباس الكافرات، أن لا يكون لباس شهرة.

وذكر أدلة كل شرط، ثم أتبع ذلك بفصل موجَّه إلى الأب والزوج والأم والمرأة المسلمة: أين نحن من الحجاب الشرعي؟ مع تعرضه لقضية خطيرة وهي التبرج المقنع أو حجاب التبرج، وهو نوع من التبرج تزعم صاحبته أنها محجبة، مع نصيحة لها ألا تخدع نفسها بهذا، وأن لا تغتر بأنها أحسن حالاً من صاحبات التبرج الصارخ؛ فإنه لا أسوة في الشر، بل عليها طاعة الله بالتزام ما أمر به في أمر حجابها.

والحجاب هو مسئولية المرأة المسلمة ما دامت عاقلة مكلفة، ثم مسئولية وليها سواء أكان أبًا أم ابنًا أم أخًا أم زوجًا أم غيره، ثم مسئولية الحاكم؛ فإن من واجباته حراسة الدين وسياسة الدنيا بالدين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية