في ظلال كتاب "الأدلة" من عودة الحجاب
محمد سرحان • قرأت لك
ثم كان الباب الخامس وهو أدلة ستر الوجه والكفين من الكتاب والسنة، وهو الباب المعنون به الكتاب "الأدلة"، وقد استغرق هذا الباب وحده مائة وتسعة وأربعين صفحة حشد فيها الشيخ كمًّا ضخمًا من أقوال المفسرين والعلماء القدامى والمعاصرين تحت كل دليل بلغت في بعضها عشرين قولاً.
استشهد الشيخ بسبع أدلة من القرآن الكريم، وهي قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) (الأحزاب:59) ، وناقش تحت هذه الآية اجتهاد العلامة الألباني -رحمه الله- في مسألة تغطية الوجه والكفين.
وقوله -تعالى-: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) (الأحزاب:53) ، وهى الآية المسماة بآية الحجاب، وناقش تحتها: هل هذا خاص بأمهات المؤمنين أم عام لجميع نساء المؤمنين؟ وبيَّن أن هذا عام لجميع نساء المؤمنين منطلقـًا من قاعدة: "خطاب الواحد يعمُّ حكمه جميع الأمة"، ودلالة ذلك على عموم حكم الجلباب.
أما الآية الثالثة فهي قوله -تعالى-: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفـًا . وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) (الأحزاب:32-33) .
أما الدليل الرابع والخامس والسادس: قوله -تعالى-: ( وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (النور:30-31) ، ووجه الدلالة في قوله -تعالى-: ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا )، بيَّن المراد من هذا، وأقوال العلماء في ذلك، وكذلك قوله -تعالى-: ( وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ )، وبيَّن معنى الخمار، وهو على غير ما هو مشهور متعارف عليه الآن من هذا الاسم.
ثم الدليل السادس من قوله -تعالى-: ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ )، وهذه الآية استشهد بها العلامة الألباني -رحمه الله- على وجوب ستر القدمين، قال المؤلف: "ولا ريب أن الفتنة المتوقعة من كشف الوجه أعظم بكثير وأشد ضراوة من فتنة كشف القدمين أو الضرب بالأرجل".
أما الآية السابعة فهي قوله -تعالى-: ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (النور:60) .
أما الأدلة من السنة فقسمها الشيخ إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أحاديث استنبط العلماء منها وجوب الحجاب على المسلمات عامة كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
القسم الثاني: أحاديث تبيِّن حجاب أمهات المؤمنين، ومنها أحاديث استنبط منها بعض العلماء ما يفيد عموم الحجاب لسائر المؤمنات، منها حديث عائشة -رضي الله عنها- في قصة الإفك.
القسم الثالث: أحاديث تفيد مشروعية الحجاب الكامل لسائر نساء الأمة المحمدية، أو تفيد شيوعه في نساء الصدر الأول، أو تفيد منع الرجال من النظر إلى الأجنبيات، وبيَّن فيها المؤلف -حفظه الله- استنباط بعض العلماء لوجوب الحجاب الكامل على سائر المسلمات، منها ما رواه ابن مردويه عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "رحم الله نساء الأنصار، لمّا نزلت: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ ) (الأحزاب:28) شققن مروطهن، فاعتجرن بها، وصلين خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأنما على رؤوسهن الغربان".
أما الباب السادس: فيرد فيه المؤلف على النصوص التى استدل بها المبيحون للسفور، رفع الغشاوة عنها، ودفع الشبهة فيها، ورد على من استغل هذه الشبهات -ممن في قلوبهم مرض ومن هو على شعبة من النفاق- ليبرروا بها دعوتهم إلى ما يسمى بـ"تحرير المرأة"، وقد بلغت هذه الشبهات ستة عشر شبهة.
وبيَّن في الفصل الثاني من هذا الباب المذاهب الفقهية الأربعة في حكم كشف الوجه والكفين، مع التنبيه على أربعة أمور:
أولها: اتفاق المذاهب الأربعة في هذا الزمان على وجوب تغطية وجه المرأة.
وثانيها: إجماع العلماء على مشروعية الحجاب الكامل لبدن المرأة بخلاف من شذ فزعم أن النقاب بدعة لا أصل لها.
وثالثها: أن التزام الحجاب الكامل كان أحد معالم سبيل المؤمنين في شتى العصور رغم قدم الخلاف الفقهي في المسألة.
ورابعها: الحالات التي يرخص فيها بالسفور أمام الأجنبي كالخطبة.
وخامسها: الحكمة من تشريع الحجاب منع الفتنة في كل مراحلها، والدليل على ذلك.
ثم ختم المؤلف كتابه بتذكرة ومعذرة:
أما التذكرة فهي: للمؤمنين والمؤمنات، وأما المعذرة: فإلى الله -تعالى- من المُعرضين والمغرضين المضلين أصحاب العقلية الورقية التافهة الذين يتولون اليوم البحث في قضايا المرأة والحجاب.
فجزى اللهُ الشيخَ خير الجزاء على هذا البيان، وعلى كتابه هذا وغيره ونفع به.
ودونك هذه المجموعة القيمة "عودة الحجاب"، فاجنِ ثمارها الطيبة.