شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الثبات على الحق سبيل نصرة أهل الإيمان

علي حاتم • التزكية

وما دام الثبات على الحق من عند الله فينبغي إذاً أن يُطلب منه وحده، ففي قصة طالوت السابق ذكرها حين تم تخليص الطائفة المؤمنة المصابرة لمواجهة جالوت وجنوده، وتحققت المواجهة بين العصابتين -أهل الحق وأهل الباطل- كان لابد للعصابة المؤمنة أن تتوسل إلى الله وتتضرع إليه، وتسأله الصبر والتثبيت والنصر، فكل مطلوب لأهل الحق إنما هو بيد الله وحده: ( قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ).

والدعاء من أعظم الأسلحة التي تعين أهل الحق في مواجهة أعداء الله؛ فعن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلاَّ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ ). وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .

ومن دعائه -صلى الله عليه وسلم- يوم الأحزاب وهو ينقل التراب: ( اللَّهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا ) (متفق عليه) .

طاعة الله -عز وجل- من عوامل الثبات على الحق:

إن من تيسير الله -عز وجل- على العبد أنه لم يكلفه إلا بما يطيق، فعلى العبد إذاً أن يحمد ربه على ذلك، حيث أمره بما يطيق فعله، ونهاه عما يطيق تركه، فالعبد لو فعل ما طلبه الله منه في كل وقت بحسبه وبذل همته في سبيل تحقيق ذلك؛ فإن الله -عز وجل- سيمنحه الأشياء التالية وما أعظمها:

الأول: أن يجعله من الأخيار المتصفين بأفعال الخير، وهذا يستلزم انتفاء صفة الأشرار عنهم.

الثاني: أن يزيد في تثبيته على الحق بسبب طاعته لله -عز وجل- واستمراره على ذلك.

الثالث: أن يمنحه الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.

الرابع: أن يهديه صراطه المستقيم وهي أعظم نعمة، فلا نعمة أتم ولا أكمل ولا أنفع من أن يهدي الله عبده صراطه المستقيم.

قال الله -عز وجل-: ( وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا . وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ) (النساء:66-68) .

ولقد كان لطاعة صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- لله -عز وجل- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- لما رجعوا من أحد إلى المدينة، فندبهم -صلى الله عليه وسلم- إلى الخروج إلى حمراء الأسد مع ما بهم من الجراح والآلام، فكان لهذه الطاعة الفورية أثر عظيم في أن نصرهم الله -عز وجل- بالرعب الذي ألقاه في قلوب أعدائهم؛ فرجعوا إلى مكة وعاد أهل الحق سالمين إلى المدينة فائزين بأجر غزاة مكة دون قتال.

قال الله -عز وجل-: ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (آل عمران:172-174) .

الإكثار من ذكر الله:

فالإكثار من ذكر الله -تعالى- من أعظم ما يعين على الثبات على الحق ضد أعداء الله، والنصر عليهم، وذلك امتثالاً لأمر فاطر السموات والأرض؛ قال الله -عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45) .

الاقتداء بالصالحين طريق إلى الثبات على الحق:

وأعظم الأمثلة على ذلك وأعلى من يُقتدى به في ذلك، بل هو المثل العملي الأروع في الثبات على الحق، هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَثْبَتَهُ. وَكَانَ إِذَا نَامَ مِنَ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً. قَالَتْ: وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ وَمَا صَامَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا إِلاَّ رَمَضَانَ" (رواه مسلم) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية