الثبات على الحق سبيل نصرة أهل الإيمان
علي حاتم • التزكية
وكان -صلى الله عليه وسلم- أثبت الناس في مواجهة أعداء الله، وما ولاهم ظهره أبدًا، وكان يثبت أصحابه في المواقف العصيبة، ومنها ما حدث يوم حنين، كما يقول البراء -رضي الله عنه- حين سأله رجل: يَا أَبَا عُمَارَةَ أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لاَ وَاللَّهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلاَحٌ أَوْ كَثِيرُ سِلاَحٍ فَلَقُوا قَوْمًا رُمَاةً لاَ يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ فَنَزَلَ فَاسْتَنْصَرَ وَقَالَ: ( أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ). ثُمَّ صَفَّهُمْ. (متفق عليه) .
وهو الذي ثبته ربه من فوق سبع سماوات بقوله -عز وجل-: ( وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ) (هود:120) ، وقوله: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (الأحقاف:35) ، فإن النفوس جبلت على الأنس الاقتداء، ويتأيد الحق بذكر شواهده وكثرة من قام به.
تدبر القرآن والعمل بما جاء به من أعظم ما يعين على الثبات على الحق:
فالواجب على أهل الحق تدبر القرآن واستخراج الدواء منه؛ لعلاج الأمراض والفتن حسبما تقع، وهذا فيه اقتداء بالرب -عز وجل- في تدبير حال رسوله -صلى الله عليه وسلم- حيث أنزل عليه القرآن مفصلاً وقتًا بعد وقت، وتواردت عليه آياته شيئًا فشيئًا، فكان ذلك سببًا في تثبيت قلوب صحابته -صلى الله عليه وسلم- حتى صارت أثبت من الجبال، واكتملت بآيات القرآن هدايتهم الهداية التامة التي استحقوا بها سكنى دار النعيم؛ قال الله -تعالى-: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (النحل:102) .
الثقة فيما عند الله -عز وجل-:
فإن المؤمن دائمًا يثق بربه، ويثق فيما عنده من موعود لأهل الحق، وهذه الثقة كانت من أهم عوامل ثبات الصادقين -رضي الله عنهم- والنصر على الأعداء، وهي التي جعلت صحابيًا جليلاً مثل أنس بن النضر -رضي الله عنه- الذي غاب عن غزوة بدر أول مشهد شهده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غِبْتُ عَنْهُ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ. قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو أَيْنَ؟ قَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ أَجِدُهَا دُونَ أُحُدٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ فَقَالَتْ عَمَّتِي الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلاَّ بِبَنَانِهِ. (رواه مسلم) .
كما أن هناك موانع ينبغي أن يحذر منها أهل الحق، تحول دون تحقيق الثبات عليه، ومن أهمها:
الذنوب والإسراف:
فالمعاصي والذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، فالذين خالفوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد -وهم الرماة- كان عصيانهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو من أهم أسباب ما حدث له ولأصحابه -رضي الله عنهم-.
ويوم حنين خرج رسول الله -تعالى- في اثنا عشر ألفًا والمشركون أربعة آلاف فأعجب بعض المسلمون بكثرتهم وقالوا: لن نغلب اليوم من قلة، فحمل المشركون عليهم حملة واحدة فانهزموا ولم يبق مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا نحو مائة رجل ثبتوا معه، ونادى العباس بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، نادى في الأنصار وبقية المسلمين: يا أصحاب سورة البقرة... فلما سمعوا هذه تجمعوا ووثبوا على أعداء الله وثبة رجل واحد حتى انتصروا وهزم الله المشركين، واستولى أهل الحق على نسائهم وأموالهم؛ يقول -عز وجل-: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ . ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ) (التوبة:25-26) .
التنازع في أمور الدنيا:
وهو من أهم ما يوجب الفشل والخذلان، ويضعف العزائم، ويفرق القلوب ويشتتها، ويبدد القوة، ويقف عائقًا ومانعًا دون تحقيق وعد الله بالنصر المرتبط بطاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الله -تعالى-: ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (الأنفال:46) .
الركون إلى أعداء الله -تعالى-: