شيخ الأزهر عبد المجيد سليم وتاريخ مشرق
معتز رضا • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "العلم يُكسِب العالِم طاعة في حياته، وجميل الثناء بعد وفاته، وهل بعد هذا من خَلَف"؟!
وذلك لأن للعلماء الربانيين مواقف مشرفة صادقة تجعل الناس لا ينسونهم، ومن هؤلاء -نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله- فضيلة الشيخ عبد المجيد سليم -رحمه الله-، الذي كان مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر.
ترجمة موجزة له -رحمه الله-:
هو: الشيخ عبد المجيد سليم، من مواليد عام (1882م)، محافظة البحيرة، تخرَّج في الأزهر الشريف عام (1908م)، حاملاً العالمية من الدرجة الأولى، وشغل وظائف التدريس، والقضاء، والإفتاء، ومشيخة الجامع الأزهر، ومكث في الإفتاء قرابة عشرين عامًا، وله من الفتاوى ما يربو على خمسة آلاف فتوى، وتولى مشيخة الأزهر مرتين، أُقِيل في أولاهما؛ لأنَّه نقدَ الملك، ثم استقال من المنصب في المرة الثانية في 17 سبتمبر 1952م، وتوفي في صباح يوم الخميس (10 من صفر 1374- 7 أكتوبر 1954م). "انظر: كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف والمجامع الفقهية حول ربا البنوك والمصارف، ط دار اليُسر - القاهرة" .
وفيما يلي استعراض لمواقف مشرفة له في بعض المسائل المهمة التي زلَّ فيها الكثير:
1- موقفه من ربا البنوك:
قال -رحمه الله-: "أخـْذ فوائد على الأموال المودعة بالبنوك من قبيل أخذ الربا المحرم شرعًا، ولا يبيح أخذه قصد التصدق به؛ لإطلاق الآيات والأحاديث على تحريم الربا، ولا نعلم خلافًا بين علماء المسلمين في أن الربا محرمٌ شرعًا على أي وجه كان، هذا ولا يقبل الله -تعالى- هذه الصدقة؛ بل يأثم صاحبها كما تدل على ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". "انظر: فتاوى دار الإفتاء المصرية، فتوى (3252) بتاريخ (20 مايو 1943م)، نقلاً عن كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف والمجامع الفقهية في ربا البنوك والمصارف" .
وقال أيضًا -رحمه الله- عن فوائد السندات: "الفوائد من الربا الذي حرمه الله -تعالى- في كتابه العزيز". "انظر: فتاوى دار الإفتاء المصرية، فتوى (617) بتاريخ 29 ربيع الأول 1362- 4 إبريل 1943م. نقلاً عن كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف والمجامع الفقهية في ربا البنوك والمصارف" .
وسُئل عن حُكم العمل ككاتب بأحد البنوك الربوية فقال: "اطلعنا على هذا السؤال، ونفيد أن الربا محرمٌ شرعًا بنص الكتاب والسنة وبإجماع المسلمين، ومباشرة الأعمال التي تتعلق بالربا من كتابة وغيرها إعانة على ارتكاب المحرم، وكل ما كان كذلك فهو محرم شرعًا". "انظر: فتاوى دار الإفتاء المصرية، (620) فتوى بتاريخ 28 رمضان 1363 - 16 سبتمبر 1944م. نقلاً عن كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف والمجامع الفقهية في ربا البنوك والمصارف" .
2- موقفه من البهائيين والدروز:
قال -رحمه الله- عن البهائيين: "ومَن كان منهُم في الأصل مسلمًا أصبح باعتقاده لمزاعم هذه الطائفة (أي البهائية) مُرتدًّا عن دين الإسلام وخارجًا عنه، تجري عليه أحكام المُرتد المقررة في الدِّين الإسلامي القويم، وإذا كانت هذه الطائفة ليست من المسلمين فلا يجوز شرعًا دفن موتاهم في مقابر المسلمين سواء منهم مَن كان في الأصل مسلمًا ومَن لم يكن كذلك". "انظر: فتاوى دار الإفتاء، بــاب: من أحكام المقابر والجبانات والجنائز ونقل الموتى برقم (609). نقلاً عن كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف حول البهائية والقاديانية، ط دار اليُسر - القاهرة" .
وسُئل -رحمه الله- عن رجل درزي أجرى عقد نكاحه على امرأة سنية من أشراف النساء، فهل صحَّ هذا العقد، وهل يَحِلّ لذلك الرجل الدرزي أن يدخل بتلك المرأة السنية؟
فأجاب -رحمه الله- قائلاً: "نفيد بأنَّه قد قال ابن عابدين في باب: "المرتد" من الجزء الثالث من "رد المحتار" بعد كلام ما نصه: "تنبيه: يعلم مما هنا حكم الدُّروز والنيامنة فإنَّهم في البلاد الشامية يظهرون الإسلام والصوم والصلاة مع أنهم يعتقدون تناسخ الأرواح، وحِل الخمر والزِّنا، وأنَّ الألوهية تظهر في شخص بعد شخص، ويجحدون الحشر والصوم والصلاة والحج، ويقولون: المسمى بها غير المعنى المراد، ويتكلمون في جناب نبينا -صلى الله عليه وسلم- كلمات فظيعة، وللعلامة المحقق عبد الرحمن العمادي فيهم فتوى مطولة، وذكر فيها أنهم ينتحلون عقائد النصيرية والإسماعيلية الذين يُلقبون بالقرامطة والباطنية الذين ذكرهم صاحب المواقف، ونَقل عن علماء المذاهب الأربعة أنَّه لا يَحل إقرارهم في ديار الإسلام بجزية ولا غيرها، ولا تحل مناكحتهم ولا ذبائحهم".
وقال ابن عابدين -أيضًا- في "رد المحتار" في فصل المحرمات عند قول المصنف: "وحرم نكاح الوثنية بالإجماع" ما نصه: "قلتُ: وشمل ذلك الدُّروز والنصيرية والنيامنة فلا تحل مناكحتهم ولا تؤكل ذبيحتهم؛ لأنهم ليس لهم كتاب سماوي".
ومن هذا يُعلم -والكلام للشيخ عبد المجيد- أنَّه إذا كان الرجل المذكور من طائفة "الدروز" -وكانت هذه الطائفة حالها كما ذكرناه عن ابن عابدين- كان كافرًا فلا يجوز له نكاح المسلمة، وإذا تزوجها كان الزواج باطلاً لا يترتب عليه ولا على الدخول فيه أثر من آثار النكاح الصحيح، فالوطء فيه زنا لا يثبت به النَّسب ولا تجب العِدة. "انظر: فتاوى دار الإفتاء، بــاب: من أحكام الزواج وما يتعلق به برقم (82)، بتاريخ (8 رمضان 1353- 15 ديسمبر 1934م). نقلاً عن كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف حول الشيعة، ط دار اليُسر - القاهرة" .
3- موقفه من البناء القبور:
قال -رحمه الله-: "اعلم أنه يحرم رفع البناء على القبر ولو للزينة، ويكره للإحكام بعد الدفن، بل تكره الزيادة العظيمة مِن التراب على القبر؛ لأنه منهيٌّ عنه". "انظر: فتاوى دار الإفتاء المصرية، برقم (604)، بتاريخ (14 محرم 1347- 2 يوليو 1928م). نقلاً عن كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف حول الأضرحة والقبور والنذور، ط دار اليُسر - القاهرة" .
4- موقفه من المولد النبوي وغيره من الموالد: