هل تطهر "البدعة" بالدباغ
الشيخ عبدالمنعم الشحات • بحوث شرعية
2- ومنهم من رأى أن كثيرًا منها لا سيما الديني منها -كالمولد النبوي- والاجتماعي -كعيد الأم- داخل في البدعة الحسنة، وأن طريقة الاحتفال بها -أيضًا- داخلة في البدعة الحسنة من الطعام أو الشراب أو الحلوى أو غيرها، وإن كان يضطر -أحيانـًا- إلى إنكار ما يتم فيها من منكرات صارخة، وبعضهم لا ينكر هذه المنكرات إلا عند المناظرة مع المتمسِّكين بالسنة من باب الحيدة في المناقشة، كما يفعل كثير من الصوفية الذين يتبرءون من المفاسد التي تحدث في الموالد مع علمهم أنه لولا هذه "المخازي" ما كان المولد! ثم تجد أحدهم وقد ضرب خيمته في "المولد" ومن حولها تتناثر خيام الغواني والقمار، ولا يحرك لذلك ساكنًا!
فهؤلاء كمن يستحل جلد الميتة قبل الدباغ متمسكًا بأنها تطهر بالدباغ مع أنها لم تدبغ بعد! ومع أنها نجسة لا لكونها ميتة فقط؛ بل ولكونها جلد خنزير لا ينفع فيه الدباغ!
3- وأما الفريق الثالث فهو: فريق عقله مع الفريق الأول الذي يدعو إلى تصحيح عقائد الناس وعوائدهم، وعينه على الكمِّ الرهيب ممن يحتفلون بهذه البدع أو يتمسكون بهذه العادات، فحاول هؤلاء التوسط لا سيما ومعظمهم محسوب على مدرسة الأستاذ "حسن البنا" الذي قال في توصيف جماعته: "دعوة سلفية وحقيقة صوفية"، فتبنى هؤلاء القول بتقسيم البدعة "في الدين" إلى: بدعة حسنة وبدعة سيئة، وهذا مخالف لكلام النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قال: ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ )، ثم وضَّح هذا بقوله: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ؛ فَهُوَ رَدٌّ )، فدل هذا على أن كل بدعة في الدين ضلالة.
وأما ما ينقسم إلى: حسن وقبيح، أو بالأحرى يدور على الأحكام الخمسة فهو: "البدع الدنيوية"، وهذا هو مقصود العلماء الذين قالوا بالبدعة الحسنة: كالعز بن عبد السلام وغيره.. حتى جاء دعاة "الصوفية" فوجدوا في هذا القول بابًا يسوِّغون به رقصهم وغناءهم إلى أن ضاهوا به دين اليهود والنصارى، بل ضاهوا به دين المشركين الذين قال الله فيهم: ( وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ) (الأنفال:35) ! وأخذ هؤلاء يحاولون تمرير كل ما يمكن وصفه بالحسن من البدع المحدثة.
ومن عجيب الأمر أنهم يضطربون في هذا اضطرابًا عجيبًا؛ فبينما يرى معظمهم أن "بدعة عيد الأم" من أحسن ما اخترع الناس - لما فيها من بر الأم-؛ يرى الأستاذ "محمد حسين" والذي رفع عن كثير من البدع وصف البدع في كتابه: "تجلية البدع" وعلى الرغم من أن "عيد الأم" عنده عادة وليس بدعة؛ إلا أنه يراها عادة سيئة؛ لما فيها من جرح مشاعر فاقد الأم (2) . فهؤلاء قريبون من الفريق الثاني، إلا أنهم أكثر تناقضًا واضطرابًا!
وما زالت المناقشات والدراسات سجال بين الفريقين في مسألة: البدع الإضافية، وهل يشملها وصف البدعة الضلالة كما بينه شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله- في مواطن متعددة من الفتاوى، و"الشاطبي" في موسوعته الشاملة عن البدع "الاعتصام"، ومن جرى على طريقتهم، ومن أبرزهم من المعاصرين: الشيخ "على محفوظ" -رحمه الله- عضو "هيئة كبار العلماء في الأزهر" سابقًا، أم إنها قابلة للتحسين كما فهمه بعض متأخري الفقهاء المتأثرين بالصوفية من كلام العز بن عبد السلام -رحمه الله-؟
ويمكن الرجوع في الرد على القائلين بالبدعة الحسنة في أمر الدين إلى كتاب "الشاطبي" أو إلى كتاب الشيخ "على محفوظ" -رحمهما الله تعالى-.
4- وزاد في الآونة الأخيرة فريق من دعاة السنة ممَّن كان لهم موقف مبدئي رافض لتقسيم البدعة في الدين إلى: بدعة حسنة وبدعة سيئة، ولم يصدر عنهم موقف مخالف لذلك، ومع هذا يدعون إلى تمرير بعض الأمور التي هي على طريقتهم القديمة -والأصل بقائها- بدعة؛ بدعوى أنه يمكن تغيير طريقة احتفال الناس بها إلى طريقة بنـََّاءة شرعًا، ويأتي على رأس البدع التي حظيت بهذا "التمرير" بدعتان:
الأولى: "الاحتفال بالمولد النبوي"؛ لما يمكن تحميله لهذه المناسبة من معانٍ شرعية لا يختلف عليها اثنان: كحب النبي -صلى الله عليه وسلم-، واتباع سنته، والدعوة إليها.
الثانية: "عيد الأم"؛ لما يمكن تحميله لهذه البدعة من معاني بر الأم وإكرامها.
وربما توسط البعض فتطوع بنقل كلام من يجيز بدعة "المولد النبوي" من باب الرأي والرأي الآخر دون أن يقرَّ بمشروعيته حتى وإن تغيرت طريقة الاحتفال به، وبتدبر هذا المسلك تجد أن فيه قدرًا من الغموض لابد لصاحبه من إزالته.
ولنرجع إلى المثال الذي ذكرناه آنفًا وكيف أن الفقهاء المتقدمين لم يبحثوا أثر الدباغ إلا بعد التأكد من طهارة الأصل، ونحن وهُمْ نرى أن كل بدعة في الدين ضلالة حتى ولو كانت بإضافة صفة ثانوية لعبادة مشروعة، كما أنكر عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- على من جعلوا لهم إمامًا في الذكر.
فكيف نأتي إلى مناسبة بدعية احتفـَّت بها مفاسد أخرى فننشغل بهذه المفاسد وإزالتها عن أصلها -هذا إذا أزيلت- مع أن الواقع يقول: إن البدع طالما مُرِّرت؛ مرت بعُجرها وبجرها -كما يقولون-؟!
فحال هؤلاء الأفاضل كحال من يحاول "دباغ جلد الخنزير" مع أنه يعلم نجاسته حتى لو دبغ! فهل يستقيم هذا المسلك؟ اللهم إلا إذا كانوا قد غيَّروا رأيهم في قضية البدعة الحسنة، ومع أننا لا نتمنى هذا إلا أنه على فرض حصوله فإن إعلانه وإبرازه أفضل؛ حتى تستقيم لكل داعية فروعه على أصوله.
وبعد أن بيَّنا أن البدعة كجلد الخنزير لا يجدي معها الدباغ نعود فنناقش هؤلاء الأفاضل فنقول:
هل بالفعل تم لهم هذا الدباغ؟ وبعبارة أخرى: هل تحول المحتفلون بـ"المولد النبوي" من الصوفية ونحوهم من مجالس الرقص والغناء -المسماة زورًا وبهتانـًا بـ"مجالس الذكر"- إلى تدارس البخاري ومسلم أو دعوة الكفار إلى الإسلام أو التصدي لحملات الكفار ضد النبي -صلى الله عليه وسلم-؟! بل هل غيَّر أحد العوام سلوكه في "المولد النبوي" فاشترى لأولاده نسخًا من "رياض الصالحين" -مثلاً- بدلاً من حلوى المولد؟!