المسلمون بين الماضي والحاضر (خطبة مقترحة)
محمد سرحان • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33) ، أنزل الله -عز وجل- القرآن، وأرسل رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ لتحكم شريعة القرآن الدنيا ويكون القرآن هو دستور الناس، ويهيمن هذا الدين ويظهر على الأديان والملل كلها، وكان لا بد للطائفة التي تحمل هذا الدين وتتحمل تبعات نشره والدعوة إليه من تربية تليق بهذه المسئولية وتؤهلهم لهذه التبعة ومشاق وتكاليف هذه المهمة العظيمة؛ طائفة يفتح الله بها البلاد وقلوب العباد.
فرباهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على عقيدة صافية نقية قوية، تتزلزل الجبال ولا تتزلزل عقيدتهم، تهتز الأرض ولا يهتز إيمانهم؛ لسان حالهم ومقالهم:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يـشـأ يـبـارك على أوصـال شـلـو مـمـزع
حتى إن كسرى ملك الفرس أرسل إلى ملك الصين يستنجد به لحرب المسلمين؛ فقال ملك الصين لرسول كسرى:"صف لي هؤلاء القوم".
فوصف المسلمين في حربهم وصلاتهم وعلاقاتهم ببعضهم، فقال ملك الصين: "ما لي ولهؤلاء القوم، إن هؤلاء لو أرادوا أن يزيلوا الجبال لأزالوها".
رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على البذل والتضحية في سبيل الله -تعالى- بالنفس والنفيس، والغالي والثمين: ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) (التوبة:111) .
فترسل الخنساء -رضي الله عنها- أبناءها الأربعة للجهاد في معركة القادسية، ولما يأتيها خبر موتهم تقول: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم".
ويرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- حبيب بن زيد الأنصاري -رضي الله عنه- إلى مسيلمة الكذاب ردًا على رسالة مسيلمة التي يقول فيها: "إنه أُشرك في النبوة معه"! ولما يقرأ مسيلمة الرسالة وفيها وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- له بالكذاب استشاط غضبًا وأراد أن يعيد شيئًا من ماء وجهه الذي أريق، وكرامته المبعثرة؛ فجاء بالنطع -الجلد- والسياف، وأتى بحبيب، وقال له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟
قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟
قال حبيب: في أذنيّ صمم.
فأمر جلاده فقطع يده. ثم أعاد عليه السؤال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟
قال: نعم.
قال: أتشهد أني رسول الله؟
قال حبيب: في أذنيّ صمم!
فأمر جلاده فقطع يده الأخرى. ثم أعاد عليه السؤال، وحبيب ثابت على قوله ما هزه مسيلمة ولا حاشيته ولا جنوده، ولا لانت قناته ولا أخافه وأرعبه، حتى مُزِّق -رضي الله عنه- ومات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وجاء الخبر إلى أمه بما حدث لفلذة كبدها فلم يكن موقفها بأقل روعة وإبهارًا من موقف ولدها فقالت: "من أجل هذا أعددتُه"! أعدته وربته ليكون مجاهدًا باذلاً نفسه وكل ما يملك في سبيل الله -تعالى-.
وهذا أبو بكر -رضي الله عنه- ينفق كل ماله لله -تعالى-، وعمر -رضي الله عنه- ينفق نصف ماله، وعثمان -رضي الله عنه- يجهز جيش العسرة ويشتري بئر رومة ويهبها للمسلمين، وغير ذلك كثير لا يحصى من أنواع البذل وطرقه.
رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على تمام وكمال الحب لله -تعالى- ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (متفق عليه) .
حتى إن صحابية بعد أن عاد الجيش من غزوة أحد وقد انتقلت إشاعة مقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة -"هذه الصحابية التي جعلت حبنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قفص الاتهام"- استقبلت الجيش فقالت: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
قالوا: قتل أبوك.
قالت: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
قالوا: قتل زوجك.
قالت: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
قالوا: قتل ابنك.
قالت: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ -لم تشغلها هذه المصائب الكبرى: مقتل أبوها وزوجها وابنها في يوم واحد عن الاطمئنان على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-!-.
قالوا: هو بخير.
قالت: حتى أراه -أي لا أطمئن حتى أراه-؛ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل -أي: هينة-.
رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على تمام الانقياد والإذعان لأوامر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (الأحزاب:36) ، وقال -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (آل عمران:31) .
قال عروة بن مسعود -رضي الله عنه- في صلح الحديبية -وكان على الكفر، والفضل ما شهدت به الأعداء كما يقولون- يصف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد قدمت على كسرى وقيصر والنجاشي -ملوك الأرض في ذلك الزمان-، فما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا، كانوا إذا أمرهم ابتدروا أمره -أي اجتهد كل واحد أن ينفذ الأمر مباشرة بلا تباطؤ-، وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه، وما تنخم نخامة إلا سقطت في يد أحدهم فيدلك بها وجهه وجسده، ولا يحدون النظر إليه تعظيمًا له".