شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

المسلمون بين الماضي والحاضر (خطبة مقترحة)

محمد سرحان • خطبة الأسبوع

روى مسلم عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ: ( يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ ). فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ". قَالَ: "لاَ وَاللَّهِ لاَ آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-".

وروى البخاري ومسلم وأحمد -بأسانيد صحيحة- وغيرهم بألفاظ مختلفة أن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- حدث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ )، وفي رواية: ( لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّينَ فِي الْمَسْجِدِ ). فقال ابن له وفي رواية: ابنه بلال: "لاَ نَدَعُهُنَّ يَخْرُجْنَ فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلاً"، وفي رواية لمسلم وأحمد: "فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ"، وزاد أحمد: "فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ"، وفي رواية لمسلم: "فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ".

كل ذلك من عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؛ لأن ابنه يعارض حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله رغم أن الظاهر أنه كان حسن النية؛ لقوله: "فَيَتَّخِذْنَهُ دَغَلاً"، ومع ذلك لم يشفع هذا له لمخالفته قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

بل كان الاقتداء برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمور العادات التي هي من طبائع الناس كما بال ابن عمر -رضي الله عنهما- في المكان الذي بال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- في السفر، والصحابي الذي ترك أزرة قميصه مفتوحة؛ لرؤيته النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك.

رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على الألفة والمحبة والمودة فيما بينهم؛ رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على معاني قوله: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

تربوا في مدرسة قيام الليل:

يا رجال الليل جدوا رب داع لا يـــرد

لا يـقـوم الـلـيـل إلا من له عزم وجد

تربوا على تحمل المسئولية؛ مسئولية الدين بعد معرفتها، دخل ربعي بن عامر -رضي الله عنه- على رستم قائد الفرس فقال له رستم: "ما الذي جاء بكم؟".

قال ربعي -رضي الله عنه-: "الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

تربوا على معاني الإيمان المختلفة؛ فانطلقوا بهذا الإيمان وهذه العقيدة وهذه التربية يفتحون البلاد وقلوب العباد -بإذن الله تعالى-؛ فخضعت لهم الإمبراطوريات العظمي في ذلك الوقت ففتحوا بلاد الشام، وفارس، ومصر، وشمال إفريقية حتى وصلت الفتوحات على أبواب الصين وحدود فرنسا، ووقف عقبة بن نافع على ضفاف الأطلنطي يقسم أنه لو يعرف خلف هذا البحر أرضًا لخاضه يفتحها في سبيل الله -تعالى-.

ثم دانت للمسلمين الأندلس وغيرها من البلاد، وبلغ العز والمجد بالمسلمين حينما استقاموا على كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الجيوش الجرارة تسير لاستنقاذ امرأة مسلمة أسرها الروم؛ ما هتكوا عرضها ولا ذبحوا ولدها، ولا قتلوا زوجها ولا هدموا ديارها، ولا خربوا مساجدها.

وحتى قال الخليفة هارون الرشيد للسحابة: "أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك". أي في أي مكان على الأرض بلاد خاضعة لسلطان المسلمين.

وحتى لم يكن فقير واحد في هذه الأمة في عهد عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-، وحتى تقطع المفاوضات مع الروم لرؤية رسول عمر بن عبد العزيز لرجل مسلم واحد يعذب في بلاد الروم، ويلوح بعصى الحرب لا بقطع المفاوضات فقط إذا لم يعد الرجل معززًا مكرمًا إلى بلاد المسلمين، وهذا ما حدث!

ثم ماذا حدث بعد ذلك؟

تغير الحال وتبدل وغير المسلمون ما بأنفسهم فغير الله عليهم: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) ؛ فانتشرت الذنوب والمعاصي، والبدع والضلالات، وركن الناس إلى حب الدنيا وترك الجهاد، وخالفوا العهد الأول والقرن الأول منهجًا وسلوكًا، علمًا وعملاً؛ فابتليت الأمة بالمصائب والنكبات، وضيق العيش وتسلط الأعداء؛ لبعدهم عن كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فضاعت منهم الأندلس التي كانت تسمى: "درة التاج الإسلامي".

فما أفاق المسلمون على هذه المصيبة حتى كانت الثانية أكبر من أختها؛ أخذت منهم القدس وفلسطين، وصار الأقصى أسيرًا في يد اليهود، المسجد الأقصى الذي نادى على صلاح الدين على لسان أحد شباب المسلمين:

يا أيها المـلـك الـذي لمعالم الصلبان نــكـس

جـاءت إليك ظلامـة مـن البـيـت الـمـقــدس

كل المساجد طهرت وأنا على شرفي أنجس

فمنع صلاح الدين الضحك في جيشه! وقادها حملة ربانية حتى حرر الله على يديه المسجد الأقصى من أيدي الصليبيين.

واليوم ينادي الأقصى لا على لسان واحد، ولكن على لسان الألوف وعشرات الألوف من: العلماء والدعاة والشعراء والشباب.

نناديكم وقد كثر النحيب نـنـاديـكم ولكن من يجيب

نناديكم وآهات الثـكـالي تحدثكم بما اقترف اليهود

وبما اقترف الصليب

القدس تقول لكم: ثيابي ممزقة وجدارني ثقوب

محاريبي تئن وقد تتهاوى على أركانها القصف الرهيب

وأوردتي تقطع لا لأني جنيت ولا لأني لا أتوب

ولكني رفعت شعار دين يضيق بصدق مبدئه الكذوب

ولكن من يجيب... ؟!

وتتوالى المصائب على هذه الأمة في البوسنة، والشيشان، والصومال، وغيرها من بلاد المسلمين، بل لو قلت لصدقت ضع أصبعك على خريطة العالم ففي أي مكان يقع ففيه دم للمسلمين يسفك أو حق يغتصب أو اضطهاد لهم.

وكم من مسلم أمسى سليبًا ومـسلـمـة لـها حـرم سليـب

أمــور لـو تـعـقـلهـن طـفـل لطفـَّل في عوارضه المشيب

رب وامـعـتـصـمـاه انطلقت مـلء أفـواه الصـبايا الـيـتـم

الصفحة السابقة الصفحة التالية