القدوة ومظاهر الالتزام
أحمد السيد • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن الأخلاق والأوصاف التي ينبغي، بل يجب أن يكون عليها المسلم عامة والداعية بوجه الخصوص: العمل بدعوته وبإسلامه، وأن يكون قدوة صالحة فيما يدعو إليه، وفي هذه الكلمات نجلي بعض هذا المعنى ونوضحه:
أـ من هو القدوة؟
هو الشخص المتعلم، والمترجم لما تعلَّم؛ الذي يعامل الناس ويدعوهم بالقول والعمل فأصبح مؤثرًا أشد التأثير، تلتف حوله القلوب وتحوم حوله الأفئدة، فتلامس كلماته السويداء؛ مما يغير مفاهيم الكثيرين.
يقول الله -سبحانه وتعالى-: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) (الأحزاب:21) .
قال القرطبي -رحمه الله- في "تفسيره": "الأسوة: القدوة، والأسوة ما يتأسى به أي: يتعزى به. فيقتدى به في جميع أفعاله، ويتعزى به في جميع أحواله".
ويقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: "فالأسوة نوعان: أسوة حسنة، وأسوة سيئة؛ فالأسوة الحسنة، في الرسول -صلى اللّه عليه وسلم-، فإن المتأسِّي به سالك الطريق الموصل إلى كرامة الله، وهو الصراط المستقيم.
وأما الأسوة بغيره إذا خالفه فهو الأسوة السيئة، كقول الكفار حين دعتهم الرسل للتأسِّي بهم: ( بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ ) (الزخرف:22) ".
وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن قتادة في قوله -تعالى-: ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) ، أي: "قادة في الخير، ودعاة هدى يؤتم بنا في الخير".
معنى الأسوة والقدوة:
أن يكون الداعية صورة صحيحة وصادقة لكل ما يدعو إليه ويريد غرسه في المدعو، بل أن يكون فعله وسلوكه قبل قوله أو كلامه؛ نظرًا لأن التأثر بالسلوك أو بالفعل يسبق التأثر بالقول أو بالكلام.
ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو القدوة الحقيقية والأسوة الصادقة في كل الأعمال والأخلاق والمعاملات؛ لأنه كان قرآنًا يمشي على الأرض وهو الموصوف من قِبَل الخالق -عز وجل- بأنه على خلق عظيم.
نخلص من هذا: أن القدوة الحسنة تنطبق على من يتبع ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، وطبقًا لذلك يكون متبوعًا في كلامه وأفعاله، ويكون متبوعًا إما لسبب تفوق بعلم أو عبادة أو لقدمه في طريق الجنة، وكلها تندرج تحت اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعلى مقدار هذا الاتباع تزداد نسبة الأتباع أو تنخفض.
ب- أهمية القدوة:
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- مبينًا أهمية القدوة: "علماء السوء جلسوا على باب الجنة يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم؛ فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا... قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم فلو كان ما دعوا إليه حقًا كانوا أول المستجيبين له فهم في الصورة أدلاء وفي الحقيقة قطاع الطرق".
ذلك أن القيمة الخلقية مهما كانت عالية رفيعة، ومهما بذلت الجهود العلمية والفنية في الإقناع بها والدعوة إليها، بل والتشجيع على التمسك بها يظل ذلك كله مؤكدًا أنها قيمة خلقية نظرية، فإذا ما خرجت إلى حيز الوجود متمثلة في إنسان يتحلى بها، ويكون قدوة للآخرين فيها، فإنها عندئذٍ تدخل مجال التطبيق والتنفيذ.
ويمكن أن نجمل أهم النقاط التي تدل على أهمية القدوة:
1- حاجة الأمة إلى العاملين بالأقوال والمفاهيم.
2- لقلة العاملين وكثرة المتكلمين.
3- أمية الالتزام بالأقوال والمفاهيم.
4- عدم إدراك المتعلمين لخطورة العلم الذي تعلموه ولم يعملوا به.
5- انشغال الناس بالحصول على الألقاب، ولكن أين العمل، بل الطامة أكبر حين يصاب هؤلاء بمرض الغرور والتكبر.
6- بسبب تجمل الناس بالعلم دون العمل.
7- نظرة الناس بخصوصية ومجهر مكبر إلى المتكلمين بوجوب الالتزام بالشرع وأوامر الدين.
8- أن القدوة المتحلية بالفضائل تعطي الآخرين القناعة بأن بلوغها هين.
9- الناس يتأثرون بلسان الحال أكثر من لسان المقال.
والقدوة العلمية العملية أقوى وأشد تأثيرًا في نشر المبادئ والأفكار، فالذي يدعو الناس إلى مكارم الأخلاق وأخلاقه سيئة لن تكون دعوته مستجابة، ولن يلقى إلا الصد والإعراض، ولا يمكن أن يكون لكلام الداعية أثر معتبر إلا إذا كان لهذا الكلام ما يطلقه من فعل الداعية وسلوكه.
يقول الشيخ محمد صالح العثيمين -رحمه الله-: "أن يكون الداعي على جانب كبير من الدين والأخلاق؛ ليكون قدوة صالحة في العلم والعمل فيقوم بما يأمر به من طاعة أو فضيلة ويبتعد عما ينهى عنه عن معصية أو رذيلة، فليس من الدين أن يأمر بشيء ولا يأتيه، وأن ينهى عن شيء ثم يقع فيه، قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ) (الصف:2) ".
ج- مظاهر للقدوة الحسنة:
1- الاهتمام بالإيمان وسلامة العقيدة.
2- حسن أداء العبادات ظاهرًا باتباع الأحكام، وباطنًا بالإخلاص والخشوع.
3- التخلي عن الأخلاق السيئة من أفعال وأقوال.
4- التشاور والاستئناس بآراء الآخرين.
5- طلب النصح والدعاء.
6- التعاون مع الآخرين في زرع الأخلاق الكريمة في النفس.
7- تزكية معاني الأخوة والحب والإيثار.
8- التبصر بالانحرافات والقضايا والمشكلات وحلها.
9- السمع والطاعة في المعروف دون تردد في تنفيذ الأوامر وذلك نصرة للدين.
د- مبطلات القدوة:
1- مخالفة العمل للقول.