شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

القدوة ومظاهر الالتزام

أحمد السيد • مع الدعاة

لا تستغرب عندما يطلق ابن الحاج -رحمه الله- على الخطورة التي تترتب على ذلك: "السم القاتل"؛ يقول: "الْغَالِبَ عَلَى النُّفُوسِ الاقْتِدَاءُ فِي شَهَوَاتِهَا وَمَلْذُوذَاتِهَا وَعَادَاتِهَا أَكْثَرُ مِمَّا تَقْتَدِي بِهِ فِي التَّعَبُّدِ الَّذِي لَيْسَ لَهَا فِيهِ حَظٌّ فَإِذَا رَأَتْ ذَلِكَ مِنْ عَالِمٍ وَإِنْ أَيْقَنَتْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ بِدْعَةٌ تُعْذِرُ نَفْسَهَا فِي ارْتِكَابِهَا لِذَلِكَ إنْ سَلِمَتْ مِنْ سُمِّ الْجَهْلِ تَقُولُ: لَعَلَّ عِنْدَ هَذَا الْعَالِمِ الْعِلْمَ بِجَوَازِ ذَلِكَ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَوْ رَخَّصَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقَعُ لَهُمْ، وَهُوَ كَثِيرٌ مُشَاهَدٌ فَإِذَا رَأَتْ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا فِي الْعِلْمِ وَالْخَيْرِ يَرْتَكِبُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَقَلُّ مَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ الاسْتِصْغَارُ وَالتَّهَاوُنُ بِمَعَاصِي اللَّهِ -تَعَالَى-، وَهُوَ السُّمُّ الْقَاتِلُ... فَيَكُونُ هَذَا الْعَالِمُ الَّذِي يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ أَوْ الْبِدَعِ سَبَبًا لِعَطَبِ مَنْ يَرَاهُ مِمَّنْ هُوَ أَقَلُّ مِنْهُ رُتْبَةً فِي الدِّينِ لاقْتِدَائِهِ بِهِ وَاسْتِسْهَالِهِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.

وَقَدْ سَبَكَ الْفَقِيهُ أَبُو الْمَنْصُورِ فَتْحُ بْنُ عَلِيٍّ الدِّمْيَاطِيُّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ مِنْهَا:

أَيـُّـهَـا الـْـعَــالـِـمُ إيَّــــاكَ الـــــزَّلَــلْ وَاحْذَرْ الْهَـفـْوَةَ فـَالْخَطـْبُ جَـلَـلْ

هـَـفــــْــوَةُ الـْعــَـالـِمِ مُــسْتـَعـْظـَمَةٌ إنْ هَفَا أَصْبَحَ فِي الْخـَلْقِ مَـثــَلْ

وَعــــَلَـــى زَلـّــَتـِـهِ عُـــمـــْدَتــُهـُـمْ فـِيهَـا يَحـْتـَجُّ مـَنْ أَخــْطــَأَ وَزَلْ

لا تــَـقــُلْ يـُـسْـتـَرُ عَـلـَمي زَلـَّـتِــي بَلْ بِهَا يَحْصُلُ فِي الْعِـلـْمِ الْخَلَلْ

إنْ تــَـكـــُنْ عـــِنــْدَك مُسْتـَحـْـقــَرَةً فَهِيَ عِنـْدَ اللَّهِ وَالنـّـَاسِ جـَبَــلْ

لــَيـْـسَ مَنْ يَـتـْبَـعُهُ الـْعـَـالِـمُ فـِــي كــُلِّ مَـا دَقَّ مِــنْ الأَمــْرِ وَجــَلْ

مـِثـْـلُ مَـنْ يَدْفـَـعُ عَــنــْـهُ جَـهـْـلـُهُ إنْ أَتـى فـَاحِـشـَةً قــِيلَ جـَهــِـلْ

اُنـْظــُرْ الأَنـْجُمَ مـَهـْـمَا سَـقـَــطــَتْ مَنْ رَآهَـا وَهْيَ تـَهْوِي لَمْ يُـبَـلْ

فــَإِذَا الشـَّـمــْسُ بَــدَتْ كَـاسـِـفــَـةً وَجَلَ الْخــَلـْقُ لَهَا كـُـلَّ الْوَجـَـلْ

وَتــَـرَامــَتْ نـَحْــوَهَـا أَبـْصَـارُهُـــمْ فِي انْزِعَاجٍ وَاضـْطِرَابٍ وَزَجـَلْ

وَسـَرَى النَّقْصُ لَهُمْ مِنْ نـَقــْـصِهَا فـَغـَـدَتْ مُــظْـلِمَةً مِـنْـهَا السُبـل

وَكـــــَذَا الـْــعَــالِـمُ فـِـــي زَلــَّـتـــِـهِ يَفـْـتـِنُ الـْعَــالَـمَ طــُرًّا وَيـُضــِلْ

يُـقْتـَدَى مـِنـْــهُ بِـمَا فــِيهِ هَــــفـــَا لا بِمَا اسْتـَعـْصَمَ فِيهِ وَاسـْتـَقَـلْ

فـَـهُـوَ مِلـْحُ الأَرْضِ مَـا يـُصْـلِحُــهُ إنْ بَـدَا فـِيـهِ فـَســَادٌ أَوْ خـَــلَـلْ"

انتهى من المدخل1/112 .

صورة مخيفة.. لكن من يتعظ؟

وفي صورة مثيرة، رهيبة ومخيفة يبين فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- حال من خالف عمله قوله، يقول -عليه الصلاة والسلام-: ( يُؤْتَى بالرَّجُلِ يَوْمَ القيَامَةِ فَيُلْقَى في النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أقْتَابُ بَطْنِهِ فَيدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الحِمَارُ في الرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْه أهْلُ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: يَا فُلانُ، مَا لَكَ؟ أَلَمْ تَكُ تَأمُرُ بالمعْرُوفِ وَتنهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيقُولُ: بَلَى، كُنْتُ آمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ، وأنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ ) (متفق عليه) .

هذه حال من دعا إلى الله وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ثم خالف قوله فعله وفعله قوله، نعوذ بالله من ذلك، فمن أهم الأخلاق ومن أعظمها في حق الداعية أن يعمل بما يدعو إليه، وأن ينتهي عما ينهى عنه، وأن يكون ذا خلق فاضل، وسيرة حميدة، وصبر ومصابرة وإخلاص في دعوته.

ونقول: لابد للداعية أن يتذكر أن المدعوين "يريدون أن يروا فيك المعنى السامي الذي تتكلم فيه، هم لا يريدون من يقول لهم: خذوا قولي واتركوا فعلي، بل يريدون رؤية أفعال تطابق أقوالاً".

فإن مستويات الفهم للكلام عند الناس تتفاوت، ولكن الجميع يستوون أمام الرؤية بالعين المجردة، وذلك أيسر في إيصال المفاهيم التي يريد الداعية إيصالها للناس المقتدين به، ومما يدل على ذلك أن البخاري بوب بابًا قال فيه: "باب الاقتداء بأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم-"، ثم ساق الحديث: عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنِّي اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ ). فَنَبَذَهُ وَقَالَ: ( إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا ). فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ.

قال ابن بطال -رحمه الله-: "لأَنَّهُ خَلَعَ خَاتَمه فَخَلَعُوا خَوَاتِمهمْ، وَنَزَعَ نَعْله فِي الصَّلاة فَنَزَعُوا، وَلَمَّا أَمَرَهُمْ عَام الْحُدَيْبِيَة بِالتَّحَلُّلِ وَتَأَخَّرُوا عَنْ الْمُبَادَرَة رَجَاء أَنْ يَأْذَن لَهُمْ فِي الْقِتَال وَأَنْ يُنْصَرُوا فَيُكْمِلُوا عُمْرَتهمْ، قَالَتْ لَهُ أُمّ سَلَمَة: اُخْرُجْ إِلَيْهِمْ وَاحْلِقْ وَاذْبَحْ فَفَعَلَ فَتَابَعُوهُ مُسْرِعِينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْفِعْل أَبْلَغ مِنْ الْقَوْل" انظر الفتح 13/389 .

2- الانتصار للنفس.

3- الزلل بجميع صوره: القولية والفعلية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية