شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قراءة في كتاب "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (1)

أحمد السيد • قرأت لك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فهذه قراءة حول كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية" وقد طُبع الكتاب في دار عالم الفوائد كاملاً لأول مرة عن سبع مخطوطات في مجلد واحد، وعن هذه الطبعة استفدت.

وهذا الكتاب يُعد من أهم ما أُلف في هذا الباب، بل هو معدود في مضمار الكتب الأساسية في هذا الفن -إن لم يكن قد أربى عليها-، وقد أثنى عليه كثير من أهل العلم قديمًا وحديثـًا، حتى دفع ذلك المستشرق الفرنسي "هنري لاوست" -وكان متخصصًا في ابن تيمية، وله رسالة دكتوراه بعنوان: "آراء ابن تيمية السياسية والاجتماعية"- أن يقول:

"إن هذا الكتاب الجليل لهو أحد الآثار الإسلامية الكبرى في القانون الدولي، وأنا من جانبي لا أتردد مطلقًا في وضعه في مستوى الأحكام السلطانية للماوردي" انظر ط. عالم الفوائد لكتاب السياسة ص6 .

فهذا الكتاب رتبه مؤلفه -رحمه الله- ترتيبًا بديعًا يدل على عمق الفكرة، وتمام التصور للموضوع الذي تكلم فيه، ويدل على قدرة المؤلف العجيبة على حسن الترتيب والتقسيم والبيان، فهو يصدق عليه قول كمال الدين بن الزملكاني وغيره: "وكانت له اليد الطـُّولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين... " انظر "الجامع لسيرة شيخ الإسلام" ص252، ط عالم الفوائد .

وسيزداد العجب والإعجاب إذا علمنا أنه ألـَّف هذا الكتاب في ليلة واحدة كما جاء في أحد مخطوطات الكتاب، وإنْ كان هذا من دأب المؤلف كما فعله في كتب أخرى: كالواسطية، والحموية، وغيرها من مؤلفاته -رحمه الله تعالى- فليس بمستغرب منه ذلك.

بدأ المصنف كتابه -وكان موفقـًا غاية التوفيق- بالأصل الذي بنى عليه هذا الكتاب، ثم بانتزاع الدلالة منه، فقال -رحمه الله-:

"وهذه رسالة مبينة على آية الأمراء في كتاب الله، وهي قوله -تعالى-: ( إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (النساء:58) .

فبيَّن أن الآية نزلت في ولاة الأمور، وأنها أوجبت عليهم أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، وهذان الأمران هما جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، وهو مقصود هذا الكتاب، فبيَّن ووضَّح أن هذه رسالة تتضمن جوامع السياسة الإلهية والإيالة النبوية التي لا يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ثبت عنه من غير وجه: ( إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثـًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ ) (رواه مسلم) .

وعلى تفصيل مباحث الكتاب: ومضامينه بيَّن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أن السياسة العادلة والولاية الصالحة لها ركنان:

الركن الأول: أداء الأمانات.

الركن الثاني: الحكم بالعدل.

أما أداء الأمانات ففيه نوعان:

أحدهما: الولايات، وهو كان سبب نزول الآية.

فيجب على وليِّ الأمر أن يولِّي على كل عملٍ من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل.

وهذا واجب عليه، فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نُوَّابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نُوَّاب السلطان والقضاة ونحوهم، ومن أمراء الأجناد ومُقدِّمي العساكر الكبار والصغار، وولاة الأموال؛ من الوزراء والكتاب والسُّعاة على الخراج والصدقات، وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين.

وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة، والمؤذنين، والمقرئين، والمعلمين، وأمراء الحاج، وخُزَّان الأموال، وحراس الحصون، والحدادين -الذين هم البوابون على الحصون والمدائن- ونقباء العساكر الكبار والصغار، وعُرَفاء القبائل والأسواق، ورؤساء القرى وغيرهم.

فيجب على كل من ولي شيئًا من أمر المسلمين، من هؤلاء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية، أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع، فإن عَدَل عن الأحقِّ الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما أو لِرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة أو غير ذلك من الأسباب، أو لِضِغَنٍ في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نُـهي عنه في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ . وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (الأنفال:27-28) .

فإن الرجل لحبه لولده أو لغيره، قد يؤثره في بعض الولايات، أو يعطيه ما لا يستحقه، فيكون قد خان أمانته. وكذلك قد يؤثر زيادةً ماله أو حفظه بأخذ ما لا يستحقه، أو محاباة من يداهنه في بعض الولايات، فيكون قد خان الله والرسول وأمانته.

ثم بين -رحمه الله-: أنه قد دلت سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن الولاية أمانة يجب أداؤها. وقد أجمع المسلمون على معنى هذا وهذا ظاهر الاعتبار، فإن الخلقَ عبادُ الله، والولاة نُوَّاب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم، بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة وذكر -رحمه الله- أدلة كل ذلك.

ثم قرر -رحمه الله-: أنه إذا عُرِفَ هذا فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه. وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام، وأخْذِه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذه المواضع من أئمة العدل والمقسطين عند الله.

الصفحة التالية