شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قراءة في كتاب "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (1)

أحمد السيد • قرأت لك

وإن اختلَّت بعض الأمور بسبب من غيره إذا لم يمكن إلا ذلك، فإن الله -سبحانه وتعالى- يقول: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن:16) ، فمن أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى، لكن إن كان منه عجزٌ فلا حاجة إليه، أو خيانة عوقب على ذلك. وينبغي أن يُعرف الأصلح في كل منصب.

وبيَّن -رحمه الله- أن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة:

1- فالقوة في كل ولاية بحسبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب، وإلى الخبرة بالحروب، والمخادعة فيها -فإن الحرب خدعة- وإلى القدرة على أنواع القتال؛ من رمي وطعن وضرب، وركوبٍ وكر ًّوفرًّ ونحو ذلك.

والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.

ثم بيَّن -رحمه الله-: أن الولايات تجمع قوة المرء في نفسه، وقوته على غيره؛ فقوته على نفسه بالحلم والصبر، وأما قوته على غيره؛ فالشجاعة في نفسه، والخبرة وسائر أسباب القوى من الرجال والأموال، كما دل عليه قوله -تعالى-: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ) (الأنفال:60) .

فبالقوة الأولى: يصير المرء من المهاجرين الذين هجروا ما نهى الله عنه، ومن المجاهدين الذين جاهدوا نفوسهم في الله، وهو جهاد العدو الباطن من الشيطان والهوى.

وبالقوة الثانية: يصير من المهاجرين المجاهدين في سبيل الله، الذين جاهدوا أعداءه ونصروا الله ورسوله، وبهم يقوم الدين.

2- والأمانة ترجع إلى خشية الله -تعالى- وترك خشية الناس، وألا يُشترى بآياته ثمنًا قليلاً، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كلِّ حَكَمٍ على الناس، في قوله -تعالى-: ( فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:44) .

ثم بيَّن -رحمه الله تعالى-: أن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: "اللهم أشكوا إليك جَلَدَ الفاجر وعجز الثقة".

فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا عُيِِّنَ رجلان أحدهما أعظم أمانة والآخر أعظم قوة، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضررًا فيها، فيُقَدَّم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع -وإن كان فيه فجور- على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أمينًا.

وإن كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشد قـُدِّم الأمين، مثل: حفظ الأموال ونحوها. فأما استخراجها وحفظها فلابد فيه من قوة وأمانة، فيولي عليها قوي يستخرجها بقوته، وكاتبٌ أمينٌ يحفظها بخبرته وأمانته. وكذلك في إمارة الحرب إذا أمر الأمير بمشاورة أولي العلم والدين جمع بين المصلحتين. وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم المصلحة برجل واحد جُمِع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصلح أو تعدد المولَّى إذا لم تقع الكفاية بواحدٍ تام.

ثم وضَّح -رحمه الله-: أن المهم في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَت المقاصد والوسائل تم الأمر. فلهذا لما غلب على أكثر الملوك قصد الدنيا دون الدين قدَّموا في ولايتهم من يُعينهم على تلك المقاصد، وكان من يطلب رئاسة نفسه يؤثر تقديم من يقيم رئاسته.

ثم بيَّن -رحمه الله- المقصود الواجب بالولايات: وهو إصلاحُ دين الخلق الذين متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نَعِمُوا به في الدنيا، وإصلاحُ ما لا يقوم الدين إلا به من أمر دنياهم، وهو نوعان: قَسْم المال بين مستحقيه، وعقوبات المعتدين. فمن لم يَعْتَدِ أصلحَ له دينَه ودنياه.

ثم بيَّن -رحمه الله- ما آل إليه الحال: أنه لما تغيرت الرعية من وجه، والرعاة من وجه، تناقضت الأمور. فإذا اجتهد الراعي في إصلاح دينهم ودنياهم بحسب الإمكان، كان من أفضل أهل زمانه، وكان من أفضل المجاهدين في سبيل الله -تعالى- فالمقصود أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.

ثم بيَّن -رحمه الله- النوع الثاني من الأمانات: وهو الأموال كما قال الله -سبحانه وتعالى- في الديون: ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ) (البقرة:283) .

ويدخل في هذا القسم: الأعيان، والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع، ومال الشريك، والـمُوَكِّل، والمضارب، ومال المولَّى من اليتيم وأهل الوقف، ونحو ذلك. وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات، وبدل القرض، وصَدُقات النساء، وأجور المنافع، ونحو ذلك.

وبيَّن أن: هذا القسم يتناول الرعاة والرعية، فعلى كل منهما أن يؤدي إلى الآخر ما يجب أداؤه إليه؛ فعلى كل ذي السلطان ونُوَّابه في العطاء أن يؤتوا كل ذي حق حقه، وعلى جُباة الأموال أن يؤدوا إلى ذي السلطان ما يجب إيتاؤه إليه، وكذلك على الرعية الذين تجب عليهم الحقوق.

وليس للرعية أن يطلبوا من ولاة الأموال ما لا يستحقونه، ولا لهم أن يمنعوا السلطان ما يجب دفعه من الحقوق.

وليس لولاة الأموال أن يقسموها بحسب أهوائهم كما يقسم المالكُ ملكه، فإنما هم أُمَناء ونُوَّاب ووُكَلاء، ليسوا مُلاَّكًا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أُعْطِيكُمْ وَلاَ أَمْنَعُكُمْ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ ) (رواه البخاري) .

فهذا رسول ربِّ العالمين قد أخبر أنه ليس المنع والعطاء بإرادته واختياره، كما يفعل ذلك المالك الذي أُبيح له التصرف في ماله، وكما تفعل الملوك الذين يعطون من أحبوا ويمنعون من أحبوا، وإنما هو عبد الله يقسم المال بأمره، فيضعه حيث أمره الله -سبحانه وتعالى-.

ثم وضَّح شيخ الإسلام: أن الأموال التي أصلها في الكتاب والسنة ثلاثة أصناف: الغنيمة، والصدقة، والفيء.

الصفحة السابقة الصفحة التالية