قراءة في كتاب "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (1)
أحمد السيد • قرأت لك
فأما الغنيمة: فهي المال المأخوذ من الكفار بالقتال، والواجب في الـمَغْنَم تخميسه، وصرف الخُمُس إلى من ذكره الله -تعالى-، وقِسْمةُ الباقي بين الغانمين. قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الغنيمة لمن شَهِد الوقعة"؛ وهم الذين شهدوها للقتال، قاتَلوا أو لم يقاتلوا. ويجب قَسْمُها بينهم بالعدل، فلا يُحَابَي أحدٌ لا لرياسته ولا لنسبه ولا لفضله، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه يقسمونها.
وأما الصدقات: فهي لمن سمى الله -سبحانه وتعالى- في كتابه.
وأما الفيء: فأصله ما ذكره الله -سبحانه وتعالى- في سورة الحشر التي أنزلها في غزوة بني النضير بعد بدر في قوله: ( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ ) (الحشر:6) .
وكان للأمصار دواوين الخراج والفيء لما يُقْبَض من الأموال، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفاؤه يحاسبون العمال على الصدقات، والفيء، وغير ذلك.
ثم بيَّن ما حدث من تغيير في ذلك الأمر بعد ذلك: فصارت الأموال في هذه الأزمان وما قبله ثلاثة أنواع:
- نوع يستحق الإمام قبضه بالكتاب والسنة والإجماع، كما ذكر سابقـًا.
- وقسم يحرم أخذه بالإجماع، كالجبايات التي تؤخذ من أهل القرية لبيت المال؛ لأجل قتيل قتل بينهم وإن كان له وارث، أو يؤخذ من الرجل على حدٍّ ارتكبه، وتسقط عنه العقوبة بذلك، وكالمكوس التي لا يسوغ وضعها اتفاقـًا.
- وقسم فيه اجتهاد وتنازع، كمَالِ من له ذو رحم ليس بذي فرضٍ ولا عَصَبَة، ونحو ذلك.
وبيَّن -رحمه الله- أن كثيرًا ما يقع الظلم من الولاة والرعية؛ هؤلاء يأخذون ما لا يحل، وهؤلاء يمنعون ما يجب، كما قد يتظالم الجند والفلاحون، وكما قد يترك بعض الناس من الجهاد ما يجب، ويكنز الولاة من مال الله مما لا يحل كنزه، وكذلك العقوبات على أداء الأموال؛ فإنه قد يَتْرك منها ما يباح أو يجب، وقد يفعل ما لا يحل.
ثم بيَّن الأصل في ذلك: أن كل من عليه مال يجب أداؤه وما أخذ ولاة الأموال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق، فلولي الأمر العادل استخراجه منهم، كالهدايا التي يأخذونها بسبب العمل، قال أبو سعيد الخدري ـرضي الله عنهـ: "هدايا العمال غلول".
ثم بيَّن أنه: لما تغير الإمام والرعية، كان الواجب على كلِّ إنسان أن يفعل من الواجب ما يقدر عليه، ويترك ما حرم عليه، ولا يحرم عليه ما أباح الله له.
فليجتهد المسلم في التقرُّب إليها بجهده، ويستغفر الله -تعالى- بعد ذلك من قصور أو تقصير، بعد أن يعرف كمالَ ما بَعَث الله به محمدًا -صلى الله عليه وسلم- من الدين.
فهذا في قوله -تبارك وتعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ) (النساء:58) ، وهو الركن الأول من أركان السياسة العادلة "أداء الأمانات".
وللحديث بقية -إن شاء الله-...