قراءة في كتاب "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (2)
أحمد السيد • قرأت لك
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبعد أن ذكرنا في المقال الأول بيان شيخ الإسلام للسياسة العادلة والولاية الصالحة، وأنَّ لهذا الأمر ركنان: الركن الأول أداء الأمانات وما يتعلق بها، وهذا ما استوفي في المقال الأول.
ثم قال -رحمه الله- مبينًا الركن الثاني من أركان السياسة العادلة وهو الحكم بالعدل: "وأما قوله -تعالى-: ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (النساء:58) ؛ فإن الحُكْم بين الناس يكون في الحدود والحقوق، وهما قسمان:
فالقسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله، مثل: حدِّ قُطاع الطريق، والسُّرَّاق، والزُّناة ونحوهم، ومثل: الحكم في الأمور السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعين، فهذه من أهم أمور الولايات".
ثم بيَّن: أن هذا القسم يجب على الولاة البحث عنه، وإقامته من غير دعوى أحدٍ به، وكذلك تُقام الشهادة فيه من غير دعوى أحدٍ به.
وبيَّن -رحمه الله-: أن هذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطَّلَه لذلك -وهو قادر على إقامته- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلاً واستفاض -رحمه الله- جدًا في هذا الباب تأصيلاً واستدلالاً، وفصَّل حدوده وضوابطه.
- وأما الحقوق والحدود التي لآدميًّ معين فمنها: الدماء، وفي الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ ) (متفق عليه) .
وقد قال العلماء: أكبر الكبائر بعد الكفر: قتل النفس التي حرم الله بغير الحق.
وذكر تقسيم القتلُ وأنه ثلاثة أنواع:
أحدها: العمد المحض، وهو أن يقصد من يعلمه معصومًا بما يقتل غالبًا، سواء كان يقتل بحده كالسيف ونحوه، أو بثقله كالسِّنْدان.
والنوع الثاني: الخطأ الذي يشبه العمد.
والنوع الثالث: الخطأ المحض وما يجري مجراه.
ثم بيَّن -رحمه الله-: أن القصاص في الجراح -أيضًا- ثابت بالكتاب والسنة والإجماع بشرط المساواة، فإذا قطعَ يدَه اليمنى من مِفْصل فله أن يقطع يده كذلك.
وأن القصاص في الأعراض مشروع أيضًا وهو أن الرجل إذا لعن رجلاً أو دعا عليه، فله أن يفعل به كذلك، وكذلك إذا شتمه شتيمة لا كذب فيها، والعفو أفضل، قال الله -تعالى-: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ . إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) (الشورى:40-42) ، وإذا كانت المظلمة في العرض مما لا قصاص فيه كالفرية وغيره فيه العقوبة بالحد في القذف، وبالتعزير في غيره.
وذكر أن من الحقوق: الأبضاع، المتعلقة بحق المرأة على الرجل وحق الرجل على المرأة، وفصَّل ووضح ذلك -رحمه الله-.
ثم قال -رحمه الله-: "وأما الحكم في الأموال؛ فيجب الحكم بين الناس فيها بالعدل كما أمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، مثل قَسْم المواريث بين الورثة على ما جاء به الكتاب والسنة".
وذكر أن من العدل فيها ما هو ظاهرٌ يعرفه كلُّ أحد بعقله، وهو من المعروف الذي قال الله -تعالى-: ( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ) (الأعراف:157) ، ومنها: ما هو خفيُّ على العقول حتى جاءت به الشرائع وشريعتنا أهل الإسلام.
وتكلم -رحمه الله تعالى-: على ما يجب على وليِ الأمر وغيره في هذا الأمر، وتكلم عن الغش في المعاملات وأنواعه وأطال النفس في ذلك، وتكلم عن الكيمياء والسحر وما يتعلق بذلك من التخييلات وما يتعلق بها، وتكلم -رحمه الله- عن ولاة الحسبة وما يتعلق بهم.
ثم بيَّن -رحمه الله تعالى-: أنه لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله أمر بها نبيه، قال -سبحانه وتعالى-: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (آل عمران:159) .
وقد رُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "لم يكن أحدٌ أكثر مشاورةً لأصحابه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". وقد قيل: إن الله -تعالى- أمر بها نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- لتأليفِ قلوب أصحابه، وليقتدي به من بعده، وليَسْتَخْرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه الوحي من أمر الحروب والأمور الحربية وغير ذلك؛ فغيره -صلى الله عليه وسلم- أولى بالمشاورة.
وقد أثنى الله -سبحانه وتعالى- على المؤمنين بذلك، فقال -تعالى-: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) (الشورى:38) ، وإذا استشارهم، فإن بيَّن له بعضهم ما يجبُ اتباعُه من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، أو إجماع المسلمين؛ فعليه اتباع ذلك، ولا طاعة لأحدٍ في خلاف ذلك، وإن كان عظيمًا في الدين أو الدنيا.
ثم بيَّن أن أولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء، وهم الذين إذا صلحوا صلح الناس، فأكثر ما يُخافُ على الناس ضررهما.
ثم فصَّل -رحمه الله تعالى- ووضَّح: أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا تمام للدين والدنيا إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع؛ لحاجة بعضهم إلى بعض تعاونًا وتناصرًا؛ يتعاونون على جلب المنفعة، ويتناصرون لدفع المضرة، إذ الواحد منهم لا يقدر وحده على جلب جميع منافعه، ودفع جميع مضارِه.
ولابد لهم عند الاجتماع من رأس، حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا خَرَجَ ثَلاَثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وروي عند الإمام أحمد في "المسند" عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا يحِلُّ لثلاثة يكونوا بفلاةٍ من الأرض إلا أمَّروا عليهم أحدهم".