قراءة في كتاب "السياسة الشرعية" لشيخ الإسلام ابن تيمية (2)
أحمد السيد • قرأت لك
فأوجب -صلى الله عليه وسلم- تأميرَ الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع التي هي أكثر وأدْوَم؛ ولأن الله -تعالى- أوجب الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر، ولا يتمُّ ذلك إلا بقوَّة وإمارة، وكذلك سائر ما أوجب من الجهاد والعدل، وإقامة الحج والجُمَعِ والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة؛ ولهذا رُوي: "إن السلطان ظلُّ الله في الأرض"، ويقال: "ستونَ سنة من إمامٍ جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان".
ثم بيَّن -رحمه الله-: أن التجربة تبيِِّن ذلك، فإن الوقت والمكان الذي يعدم فيه السلطان بموت أو قتل، ولم يقم غيره، أو تجري فيه فتنة بين طائفتين، أو يخرج أهله عن حكم سلطان، كبعض أهل البوادي والقرى يجري فيها من الفساد في الدين والدنيا، ويفقد فيه من مصالح الدنيا والدين ما لا يعلمه إلا الله.
فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقُرْبة يتقرب بها بالعمل الصالح فيها إلى الله -تعالى-، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما فسدَ فيها حالُ أكثر الناس لابتغاء الرئاسة أو المال بها فقط.
ثم قسَّم -رحمه الله- الناس حسب فسادهم وصلاحهم في هذا الأمر، فقال: "فالناس أربعة أقسام: قومٌ يريدون العلو على الناس والفساد في الأرض، وهو معصية الله -تعالى-، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون، كفرعون وحزبه، وهؤلاء شر الخلق، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) (القصص:4) .
والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسُّّرَّاق والمجرمين من سَفِلَة الناس ونحوهم.
والثالث: يريدون العلوَّ بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس، وهو أكثر في المتعلقة بنوعٍ من العلم أو نوع من الورع.
وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال -تعالى-: ( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:139) ، وقال -تعالى-: ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ) (محمد:35) ، وقال: ( وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) (المنافقون:8) .
ثم بيَّن -رحمه الله- في خاتمة كتابه: سبيل الفساد وسبيل الصلاح في هذا الأمر موضحًا أنه إذا كان المقصود بالسلطان والمال هو التقرب إلى الله وإقامة دينه، وإنفاق ذلك في سبيله كان ذلك صلاح الدين والدنيا، وإن انفرد السلطان عن الدين أو الدين عن السلطان فسدت أحوالُ الناس في الأموال.
وأنه لما غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف، وصاروا بمعزلٍ عن حقيقة الإيمان في ولايتهم رأي كثيرٌ من الناس أنَّ الإمارات تنافي الإيمان وكمال الدين.
ثم منهم من غلَّب الدينَ وأعرضَ عما لا يتمُّ الدينُ إلا به من ذلك، ومنهم من رأى حاجته إلى ذلك فأخذه معرِضًا عن الدين؛ لاعتقاده أنه منافٍ لذلك، وصار الدينٌ عنده في محلِّ الرحمة والذل، لا في محلِّ العلوِّ والعزِّ.
وكذلك لما غلبَ على كثير من أهل الديانة من الحكام العجزُ عن تكميل الدين، والجَزَع لِما قد يصيبهم في إقامته من البلاء استضعفَ طريقَهم واستذلَّها من رأى أنه لا تقوم مصلحتُه ومصلحة غيره بها.
وبيَّن أن هذين السبيلين الفاسدين: سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأول: للضالين النصارى، والثاني: للمغضوب عليهم اليهود.
وأما الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم، وهم: ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:100) .
فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك بحسب وسعه، فمن ولي ولايةً قصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات، واجتنب ما يمكنه من المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه.
فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار، ومن كان عاجزًا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد، ففعل ما يقدر عليه بقلبه، والدعاء للأمة، ومحبة الخير وأهله، وفعل ما يقدر عليه من الواجبات لم يُكَلَّف بما يعجز عنه، فإنَّ قِوام الدين بالكتاب الهادي والحديد الناصر، كما ذكر الله -تعالى-.
فعلى كل أحد الاجتهاد في اتفاق القرآن والحديد لله، ويطلب ما عنده مستعينًا بالله في ذلك. ثم الدنيا تخدم الدين.
فنسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا، وجميع المسلمين، لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل، فإنه لا حول ولا قوة إلا به، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.