من سمات الشخصية الإيمانية في القرآن
علي حاتم • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلقد صنع القرآن من العرب -هذه الأمة الجاهلة- خير أمة أخرجت للناس، ولقد أعزهم الله بالقرآن فتحققت لهم السيادة على الدنيا بأسرها؛ ذلك لأنهم تأثروا بالقرآن تأثرًا بالغًا فنجحوا في إقامة حروفه وحدوده.
ولقد أدَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صحابته الكرام -رضي الله عنهم- بالقرآن؛ فتشكلت به شخصيتهم الإيمانية في أروع صورها، فلا يعرف عهد ولا تعرف جماعة ظهر القرآن في سلوك أفرادها مثلما ظهر في سلوك وأخلاق صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ومن القرآن نستطيع أن نتلمس بعض جوانب وسمات تلك الشخصية الإيمانية من خلال وصفه لذلك النموذج الرائع الذي لم تأتِ البشرية بمثله عبر عصروها الطويلة الممتدة؛ فمن ذلك أنها:
- تتصف بالعقل:
والعاقل: هو الشخص الذي يعرف مصلحة نفسه ويسعى في سبيل تحقيقها، وعندما طلب من المنافقين أن يؤمنوا كما آمن الناس -وهم الصحابة- قالوا: ( أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ) (البقرة:13) ، فوصفوا الصحابة -رضي الله عنهم- بالسفه، والسفيه هو: الذي لا يعرف مصلحة نفسه ولا يسعى في سبيلها، فكان أن ردَّ الله عليهم بقوله عنهم: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ ) (البقرة:13) ، وهذا يقتضي حصر السَّفه في المنافقين، ويقتضي أيضًا وصف الصحابة بأنهم العقلاء، بل ويقتضي حصر العقل فيهم لا في غيرهم.
- صالحة مصلحة:
فهي شخصية لا تعرف الفساد، وعندما طلب من المنافقين الكفَّ عن الفساد في الأرض، قالوا: ( إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (البقرة:11) ، فحصروا الصلاح في أنفسهم، وقلبوا المسألة فجمعوا على أنفسهم معصيتين: الإفساد في الأرض، واعتقاد أنهم مصلحون؛ ولذلك بَعُدت عودتهم للحق، ذلك أن الذي يُفسِد في الأرض ويعلم أنه مفسد أقربُ إلى العودة من المنافقين، فرد الله عليهم بحصر الفساد فيهم: ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) (البقرة:12) ، وهذا يقتضي حصر الصلاح في المؤمنين؛ صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
- تتصف بصلاح الظاهر والباطن:
فبجانب كونها شخصية مؤمنة، انصلح بالإيمان باطنها، فهي أيضًا تتصف بصلاح الظاهر، فهي شخصية تؤمن بالغيب وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وكذلك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إلى غير ذلك من أعمال الخير والصلاح، وهذه الأوصاف جعلتها خير شخصية تتحرك على وجه الأرض. قال الله -عز وجل-: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران:110) .
- حققت وصف "التقوى":
وذلك بأن جعلت بينها وبين عذاب الله وقاية بفعل ما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتجلى ذلك واضحًا في صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال الله -تعالى- عنهم: ( وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ) (الفتح:26) .
- شديدة الاتباع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
فهي شخصية لا تضع نفسها في شق، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شق آخر، كما أنها لا تضع نفسها في شق وصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- في شق آخر، بل هي تقتدي بهم في اتباعهم لنبيهم -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الله -عز وجل-: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء:115) ، وقال -تعالى-: ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) (التوبة:100) .
والسبق هنا كما يقول بعض المفسرين هو: سبق في الإيمان، وسبق في الامتثال لأوامر الله -عز وجل-، وقد اشترط الله فيمن اتبعهم أن يكون متبعًا لهم بإحسان في أقوالهم وأفعالهم لا فيما صدر عنهم من هفوات؛ فهم ليسوا معصومين.
- تسعى للإمامة في الدين:
قال الله -عز وجل-: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (الفرقان:74) ، أي: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا لنصلح أن يقتدي بنا من بعدنا، والله -عز وجل- لم يقل: "أئمة"، وذلك إشارة إلى أن طريقهم واحد، ومنهجهم واحد؛ فهو الإمام على الحقيقة. قال الله -عز وجل-: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (الأنعام:153) .
- تسبق إلى كل خير:
قال الله -عز وجل-: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ) (الأحقاف:11) ، وصحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا شك هم أسبق الناس إلى كل خير، وهم أولى الناس بكل خير، وعلى هذا ينبغي أن يقتدي بهم من جاء بعدهم.
- ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها:
فالشخصية الإيمانية لا يضرها كيد الكائدين، ولا خداع المخادعين، ولا مكر الماكرين، ولا خذلان المتخاذلين، بل هي شخصية ماضية بثبات ويقين في طريقها إلى الله، وكل من خدعها ومكر بها وخذلها، واستهزأ بها؛ فإن كل ذلك سيعود عليه هو، قال الله -عز وجل-: ( يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ) (البقرة:9) ، وقال أيضًا: ( وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (الأنفال:30) ، وقال أيضًا: ( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (البقرة:15) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ) (رواه مسلم) .
- تعتز بدينها وبعقيدتها: