شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

من سمات الشخصية الإيمانية في القرآن

علي حاتم • التزكية

وهي تلتمس هذه العزة من الله، فالله وحده هو الذي يخلق العزة في قلوب المؤمنين؛ قال الله -عز وجل-: ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (المنافقون:8) ، وهذا إمام من أئمة المؤمنين، ونموذج رائع ممن أعزهم الله بهذا الدين، وهو الفاروق -رضي الله عنه- الذي قال قولته الخالدة لأبي عبيدة -رضي الله عنه-: "إنا كنا أذل قوم، فأعزنا الله بهذا الدين، فمهما نبتغي العز في غيره أذلنا الله".

- قد وقـَّعت صفقتها الرابحة مع الله -عز وجل-:

قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ) (التوبة:111) ، وقد ظهرت آثار هذه الصفقة واضحة جلية في سلوك من عقدوها ووقعوها، أمثال: سمية، وعمار، وياسر، وصهيب، وغيرهم -رضي الله عنهم-.

وفي صهيب -رضي الله عنه- عند أكثر المفسرين نزل قول الله -عز وجل-: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (البقرة:207) ، فصهيب -رضي الله عنه- خرج بنفسه مهاجرًا إلى الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- تاركًا أمواله بمكة، فلحق به نفر من المشركين، فنزل عن دابته وأخذ قوسه ثم قال: تعلمون أني من أرماكم، ولن تصلوا إليَّ حتى أرمي بما في كنانتي -ثم استل سيفه- وأضرب به ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فقالوا: لن نتركك تذهب عنا غنيًا وقد جئتنا صعلوكًا، نريدك أن تدلنا على مالك بمكة ونحن نخلي سبيلك، فوافق على ذلك، ودلهم على المال، فلما قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانت قد نزلت هذه الآية، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى ) (رواه الحاكم وابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية، وأشار إلى صحته الشيخ أحمد شاكر) .

( وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ): يقبل منهم اليسير من البذل، ويعطيهم الكثير من الأجر، يشتري من المؤمن ماله ونفسه؛ مع أنه -عز وجل- هو المالك للأنفس والأموال، ويبيع للمؤمن أعظم وأغلى سلعة وهي الجنة، وهي أيضًا ملك لله، هل يمكن أن نرى أحدًا في الدنيا يبيع ملكه بملكِه؟! نعم إنه حقـًا رءوف بالعباد.

- تعرف أنها ستبتلى:

قال الله -عز وجل-: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:2-3) ، وقال -عز وجل-: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ) (البقرة:214) .

فالشخصية الإيمانية تعرف جيدًا أنها ستبتلى وتخطـِّئ كل من يحسب من المؤمنين أن كونه لم يُبتلى فهذا أمر حسن، وهي شخصية تعرف جيدًا أنه أشد الناس بلاءً: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل.

- صابرة محتسبة:

فهي شخصية تصبر على الطاعات وتحتسب الأجر عند الله، وتصبر عن المعصية وتحتسب الأجر عند الله، كما أنها شخصية محتسبة بمعنى أنها مكتفية بالله -عز وجل-، واثقة به وبما عنده، متوكلة عليه في عونه ونصره وتأييده.

قال الله -عز وجل-: ( الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (آل عمران:172-174) .

وقال -عز وجل-: ( وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) (الأحزاب:22) .

وقال -عز وجل-: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ) (التوبة:59) .

والله وحده المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.

الصفحة السابقة