شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

النهضة الأوروبية والمسلمون.. مِن الاستفادة إلى محاولة الإبادة

أحمد خميس • المسلمون حول العالم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلقد كان للحروب الصليبية الطويلة التي خاضتها أوروبا مع العالم الإسلامي أكبر الأثر في تأثر الأوروبيين الذين كانوا غارقين في جهل وظلام العصور الوسطى في ذلك الوقت بالحضارة الإسلامية، فنشأت في أوروبا حركة ترجمة واسعة للعلوم الإسلامية المختلفة من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، وكانت حركة الترجمة هذه هي بداية ما عرف في التاريخ الحديث باسم: "حركة الاستشراق"، وكان من نتائجها أن اطلع الأوروبيون على علوم كانت إسلامية خالصة في ذاك الوقت مثل: الجغرافيا، والفلك، والكيمياء، والجبر والهندسة بالإضافة إلى التعرف على أساليب جديدة في الزراعة، أما في الجانب الشرعي فقد تعرفوا على علوم: التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، وأصول الفقه، والمصطلح، وغيرها من العلوم الشرعية واللغوية.

ومن أكبر الروافد التي استقت منها أوروبا نهضتها الحديثة ارتياد الطلبة الأوروبيين للمراكز الإسلامية الثقافية المهمة آنذاك مثل: قرطبة في الأندلس، وباري في جنوب إيطاليا، وباليرمو في صقلية؛ فقد كان الطلاب الطليان، والفرنسيين، والألمان، والإنجليز يقبلون على هذه المراكز الإسلامية؛ ليتعلموا العربية -"لغة العلم في ذاك الوقت"- ويحصِّلوا العلوم المختلفة، وكان من ضمن هؤلاء البابا سلفستر الثاني.

كان لحركة الترجمة وارتياد الطلبة الأوروبيين للجامعات الإسلامية أعظم الأثر في تحرير الفكر الأوروبي من أغلال الكنيسة، وعصمة البابا، وصكوك الغفران، ومحاكم التفتيش، وبدأ في أوروبا ما يعرف بعصر النهضة العلمية، وظهرت نظرية دوران الأرض حول الشمس لكوبرنيكوس، واخترع جاليليو المنظار الفلكي، وتطور البارود، واخترع غوتنبرج الطباعة بالحروف المتحركة.

من ناحية أخرى كان فتح القسطنطينية -عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية ومركز الأرثوذكس في العالم- في عام 1453م وانضمامها لدار الخلافة الإسلامية، وانطلاق الجيوش العثمانية تفتح بلاد شرق أوروبا وتضمها للخلافة الإسلامية بمثابة اللطمة القوية التي أفاقت الأوروبيين من سباتهم الطويل، وأيقنوا حينها أن المواجهة العسكرية المباشرة مع المسلمين لن تزيدهم إلا خسارًا؛ فبدءوا يفكرون في انتهاج إستراتيجية جديدة تقوم على تطويق العالم الإسلامي بحريًا، وذلك لسببين:

أولهما: البحث عن طريق تجارى للوصول إلى الهند لا يمر بديار المسلمين.

والثاني: هو التمهيد لضرب العالم الإسلامي من الداخل بعد السيطرة على أطرافه الشرقية والغربية، وفي سبيل ذلك بدأت أوروبا ما عرف في التاريخ باسم حركة: "الكشوف الجغرافية" بعد أن استفادت من ترجمة علم الجغرافيا وعرفت البوصلة والأصطرلاب، والخرائط البحرية العربية عن المحيط الهندي والتيارات البحرية، والرياح الموسمية في هذا المحيط، وكانت البرتغال بعد أن طُرِد المسلمين من الأندلس في طليعة هذه الحملات الصليبية البحرية؛ فتمكن بارثلميودياز من الوصول إلى جنوب أفريقيا مرورًا بسواحل أفريقيا الغربية، وأتم فاسكو دي جاما الرحلة إلى الهند في عام 1509م بمساعدة العالم المسلم أحمد بن ماجد -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، وعرف هذا الطريق باسم: "رأس الرجاء الصالح"، وقال فاسكو دي جاما عندما وصل إلى الهند: "الآن طوقنا رقبة الإسلام ولم يبقَ إلا جذب الحبل فيختنق".

كان اكتشاف البرتغاليين لطريق "رأس الرجاء الصالح" نقطة تحول في تاريخ الصراع الإسلامي الأوروبي؛ فقد كان لسيطرة المسلمين على طرق التجارة العالمية من أقصى الشرق الأسيوي والجنوب الأفريقي إلى الشمال الأوروبي أثره الكبير في انتعاش الاقتصاد الإسلامي، وكان الكثير من مدن العالم الإسلامي بمثابة مراكز تجارية عالمية يقصدها التجار من كل حدب وصوب، ولكن بعد اكتشاف "رِأس الرجاء الصالح" تغيرت طرق التجارة العالمية عن بلاد المسلمين إلى المحيطات الكبرى؛ فكسدت تجارة المسلمين، وضعفت الصناعة والزراعة، وهجر الناس المدن إلى الأرياف، وعاد الكثير منهم إلى البادية؛ فكسدت البضاعة وخوت الأسواق بينما بدأ في أوروبا ما يعرف باسم: "عصر الثورة التجارية".

كان من نتائج "حملة الكشوف الجغرافية" بداية التواجد الصليبي على أطراف العالم الإسلامي الغربية في الساحل الغربي الأفريقي فقد حرص البرتغاليون أثناء سيرهم على طريق رأس الرجاء الصالح على تأمين عدد من الموانئ لالتقاط الأنفاس من طول الرحلة؛ فتمكنوا من السيطرة على معظم السواحل الغربية من موريتانيا شمالاً مرورًا بالسنغال، وغينيا، وسيراليون، وساحل العاج، وغانا، ونيجريا، والكاميرون، وأنجولا وغيرهم وصولاً إلى جنوب أفريقيا وإن بقيت هذه السيطرة ساحلية فقط ولم تتوغل إلى الداخل، ثم انسدلت السيطرة البرتغالية على سواحل الشرق الأفريقي ولم يأت عام 1509م إلا وكانت جميع المدن والمراكز التجارية بساحل أفريقيا الشرقي قد خضعت للبرتغاليين من موزمبيق جنوبًا إلى الصومال شمالاً.

أما الأطراف الشرقية للعالم الإسلامي فقد كانت هي الهدف الرئيسي من تلك الرحلة وقد حط البرتغاليون رحالهم في الهند واستولوا على مدينة غوا في عام 1498م، وتمكنوا من توطيد نفوذهم في الهند ثم تطلعوا إلى الجزء الشرقي من المحيط الهندي فتوالت الحملات البرتغالية على سواحل الصين، وسيام، وإندونيسيا، وماليزيا، وتمكنوا من احتلال ملقا "ماليزيا" في عام 1511م، ووقف قائدهم "البوكرك" يخطب في جنوده قائلاً قبل هذه المعركة: "أجل خدمة لخضد شوكة الإسلام بحيث لا يقوم له قائمة بعملنا هذا، وأنا على يقين أننا إذا انتزعنا تجارة الأفاويه والبهارات من أيدي العرب؛ فإن الدمار سيحل بالقاهرة، ومكة، وستتوقف تجارة البندقية مع العرب".

أما جزر الفلبين فقد وصلتها السفن الإسبانية بقيادة "ماجلان" قادمة شرقًا من الأمريكتين -بعد أن اكتشفها كولومبس-، ولكن المسلمين تمكنوا من التصدي لهذه الحملة وقتلوا ماجلان؛ فتوالت الحملات الإسبانية على الفلبين حتى عام 1565م الذي تمكنت فيه إسبانيا من السيطرة على الجزر الشمالية والوسطى، وأجلت المسلمين إلى الجزر الجنوبية.

الصفحة التالية