النهضة الأوروبية والمسلمون.. مِن الاستفادة إلى محاولة الإبادة
أحمد خميس • المسلمون حول العالم
بدأ المد البرتغالي في الانحسار بعد أن دخل العثمانيون مصر عام 1517م في عهد السلطان سليم الأول وضموا مصر والحجاز لسلطانهم، وبذلك تمكنوا من التصدي للبرتغاليين وإجلائهم عن سواحل شرق أفريقيا، ولكن البرتغال كانت قد فتحت الطريق المغلق أمام الأوروبيين منذ قرون، ورأى الأوروبيون تدفق الذهب، والفضة، والمعادن النفيسة على الخزائن البرتغالية فسال لعابهم واستثيرت حفيظتهم؛ فاستولت إسبانيا على البرتغال في عام 1580م، وورث الإنجليز والفرنسيون، والهولنديون المستعمرات البرتغالية على طريق رأس الرجاء الصالح وصولاً إلى جنوب شرق آسيا.
كنتيجة للنهضة العلمية والتجارية بدأ في أوروبا ما يسمى بعصر الثورة الصناعية، وهي عبارة عن سلسلة من التغيرات في أساليب الصناعة أصبح الإنسان بسببها يعتمد على الآلات في الإنتاج، وهذه الآلات تدار بقوة غير بشرية: كقوة البخار ثم فيما بعد: البترول، والكهرباء، وحديثـًا الطاقة الذرية، وبدأت هذه الثورة في بريطانيا في أواخر القرن الـ18، ثم انتشرت بعد ذلك في أوروبا، وأمريكا في مطلع القرن الـ19، وكان من نتائج الثورة الصناعية تضاعف الإنتاج بطريقة مذهلة بقليل من النفقات؛ فاحتاج الأوروبيون إلى المواد الخام من جهة، وإلى أسواق جديدة لتصريف الفائض الإنتاجي الكبير من جهة أخرى؛ فبدأت الدول الأوروبية في التنافس للسيطرة على أكبر عدد ممكن من المستعمرات، ولم تعد تقنع بالسواحل والأطراف، ولكن صارت تطمع في الدخول إلى البلاد للسيطرة عليها كليًا، ونتج عن ذلك ما عرف في التاريخ باسم الاستعمار الأوروبي الحديث أو الإمبرياليزم.
كان العالم الإسلامي آنذاك يعيش أسوأ فتراته منذ بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد خيم الجهل العلمي والشرعي على كافة أنحائه بعد انتشار الصوفية والعقائد الشركية وعبادة القبور، وازدهار الخرافات والبدع من شرقه حتى غربه، وكأنه فيروس أطلق في الهواء فلم يدع بيت مدر ولا وبر إلا دخله، ويكفينا أن نعرف أن أعظم ما كان يقوم به علماء المسلمين في ذلك الوقت إذا رأوا الأساطيل الإنجليزية والفرنسية تستعد للانقضاض على بلادهم أن يهرعوا إلى جمع أنفسهم ويبدؤوا في قراءة صحيح البخاري جماعيًا ظنًا منهم أن ذلك سوف يدفع عنهم هذه الأساطيل، وهؤلاء كان حالهم أهون من آخرين كانوا يحرِّمون الجهاد، ويعتبرون احتلال الصليبيين لبلادهم قدرًا من الله، وأن أي مقاومة لهؤلاء المحتلين يعتبر اعتراضًا على قدر الله! فما ظنكم بأمة هذا حال علمائها، وكيف يكون حال الجهال إذا كان هذا حال العلماء!
لهذا لم يجد الأوروبيون أي صعوبة تذكر في الاستيلاء على بلاد المسلمين تباعًا؛ فاحتلت بريطانيا ماليزيا والهند، وسواحل الخليج العربي والجنوب العربي، ومصر، والسودان، وأوغندا، وجزءًا من: الصومال وإريتريا، وتنزانيا، ونيجيريا، وقبرص، وغانا، وبعد خروجها منتصرة من الحرب العالمية الأولى احتلت العراق، وشرق الأردن، وفلسطين، وغيرها.
أما فرنسا فقد احتلت بورما، وتايلاند، وكمبوديا، وفيتنام الشمالية والجنوبية، وأرخبيل الملايو، ولاوس، ومالي، وتشاد، والنيجر، والسنغال، ومدغشقر، وسورينام، والمغرب، والجزائر، وتونس، وغينيا، وجيبوتي، وبعد الحرب العالمية الأولى احتلت سوريا ولبنان.
واحتلت إيطاليا ليبيا وجزءًا من الصومال وإريتريا، واحتلت روسيا سيبريا، وتركستان الغربية، والأراضي الإسلامية في حوض نهر الفولغا، وشبه جزيرة القرم وبلاد القوقاز، وامتدت بنفوذها إلى شمالي إيران، واحتلت إسبانيا الريف المراكشي، وإقليم إفني، والصحراء الغربية، وإقليم مورو الإسلامي في الفلبين، واحتلت هولندا إندونيسيا، واحتلت البرتغال موزمبيق، واحتلت بلجيكا الكونغو.
أما بالنسبة لدول أوروبا الشرقية فقد ظهرت فيها الثورات المتتالية بتدعيم من أوروبا الغربية وروسيا، وحصلت على استقلالها تباعًا، وأما في تركيا فقد شاخ الأسد العثماني وبدأت أسنانه في الوقوع، ولم يعد قادرًا على الاستمرار بعد أن انفرط عقد الدول الإسلامية من حوله، وظهر على الساحة السياسية التركية حزب الاتحاد والترقي بتشجيع من الإنجليز بعد أن رأوا منه انتهاجه لسياسات علمانية قومية تدعو لنبذ الدين وقطع كل صلة لتركيا بالشرق الإسلامي، وقد تمكن مصطفي كمال أتاتورك زعيم هذا الحزب من الاستيلاء على الحكم في تركيا، وأعلن انتهاء الخلافة العثمانية في عام 1923م الموافق 1342هـ، ولأول مرة منذ 1342 عام تنحل عقدة الخلافة الإسلامية التي ربطها النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، والتي كانت تربط المسلمين في جميع أنحاء العالم، وتشعرهم أن لهم وطنًا كبيرًا عظيمًا لا تغيب عن أرجائه الشمس.
كان إلغاء الخلافة الإسلامية إعلانًا رسميًا بانتصار الجيوش الصليبية على العالم الإسلامي الذي طالما أرقت جيوشه مضاجع حكام أوروبا، ولم تجد الدول الأوروبية كبير فائدة من الاستمرار في احتلال البلاد الإسلامية عسكريًا بعد أن زرعت في هذه الدول رجالاً لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن محاربة الإسلام، وتنفير أهله منه بدعوى أنه المسئول عن التخلف الفكري والعلمي الذي يعيشه العرب، وأنهم لو أرادوا اللحاق بركب الحضارة الأوروبية فعليهم أن يتخلصوا من كل ما يربطهم بماضيهم الإسلامي، ولم تكتفِ الدول المحتلة بزرع هؤلاء الرجال، بل وأسكنتهم مراكز القيادة السياسية والعسكرية والإعلامية والتربوية؛ حتى تضمن استمرار دوران العالم الإسلامي في الفلك الذي وضعته له أوروبا.