أصول الحياة السعيدة بين الزوجين (2-2)
أحمد يحيى الشيخ • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في مقال سابق أصلين من أصول السعادة بين الزوجين، ونستكمل في هذه المقالة ما كنا قد بدأناه.
3- قوامة الرجل على المرأة ورعايته لها:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( أَلاَ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) (رواه البخاري ومسلم) .
وقال -تعالى-: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (النساء:34) ، فالرجل قَيّم على المرأة، هو رئيسها وكبيرها وقائدها وسيدها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت، فعلى الأزواج أن يقمن بواجب القوامة بإلزام أزواجهن بحقوق الله -تعالى- من المحافظة على فرائضه وكفهن عن المفاسد، وأن يقوموا عليهن -أيضًا- بالإنفاق عليهن، والكسوة والمسكن. وعلى الزوجات أن يحفظن حق أزواجهن وقوامتهم عليهن.
والسبب الموجب لقيام الرجال على النساء ( بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ )، أي: بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهن، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة.
فقد ذكروا في فضل الرجال: العقل، والحزم، والعزم، والقوّة، والرزانة، والصبر، والجلد، والكتابة -في الغالب-، والفروسية، والرمي، وأنَّ منهم الأنبياء والرسل، وفيهم الإمامة الكبرى والصغرى، والجهاد، والأذان، والخطبة، والاعتكاف، والشهادة في الحدود، والقصاص، وزيادة السهم، والتعصيب في الميراث، والحمالة، والقسامة، والولاية في النكاح والطلاق والرجعة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب، وهم أصحاب اللحى والعمائم.
والسبب الثاني لحصول هذه الفضيلة قوله -تعالى-: ( وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم )، فعليهم لهن المهر والسكنى والنفقة والكسوة.
ومن القوامة: تأديب المرأة وتربيتها على كتاب الله، وتعليمها الهدي والسنن، والأخذ على يديها في العلم والعمل.
ومن القوامة : أن يشارك الرجل امرأته همومها، وأن يحل لها مشكلاتها، وأن يكون لها عونًا وسندًا، وأن يزيل عنها الخطأ والزلل، وأن يكمل ما بها من نقص وخلل.
ومـن القـوامة : أن ينفـق عليها ويطعـمها ويكسـوها، فعـن حكيـم بـن معاوية القشيري عـن أبيه قـال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: ( أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ -أَوِ اكْتَسَبْتَ-، وَلاَ تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلاَ تُقَبِّحْ، وَلاَ تَهْجُرْ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ ) (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وحسنه الألباني) .
ومن القوامة: أن يغار الرجل على أهل بيته، وألا يعرضهم للفتن ومخالطة الرجال، وألا يكون ديوثًا لا يبالي من دخل على أهله، وأن يسد الخلل وألا يدع فرجات للشيطان.
عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الدَّيُّوثُ مِنَ الرِّجَالِ، وَالرَّجُلَةُ مِنَ النِّسَاءِ، وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني) .
والمرأة العاقلة تعلم تفضيل زوجها عليها ثُم لا تتمنى ما فضله الله به، عملاً بقوله -تعالى-: ( وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ) (النساء:32) ، فإن لزوجها من الصفات ما لا يصلح لها، كما أن لها من الصفات ما لا يصلح لزوجها، فلا تقارن عاطفتها بعقله، ولا ضعفها بحزمه، فإن كلاًّ ميسر لما خلق له، ولو تفكرت وتدبرت؛ لعلمت أنها قد تفوق زوجها بما اختصت به، وقد قيل: "قوة المرأة في ضعفها"، وأصدق من ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ ) (متفق عليه) .
4- حفظ المرأة لزوجها ورعايتها له:
قال -تعالى-: ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (النساء:34) .
( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ ) أي: مطيعات لله -تعالى-، ( حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ) أي: مطيعات لأزواجهن حتى في الغيب تحفظ بعلها بنفسها وماله، وذلك بحفظ الله لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله؛ كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه.
أما حفظ المرأة لزوجها فبعدة أمور:
منها: حفظ نفسها عن الزنا؛ لئلا يلحق الزوج العار بسبب زناها، ولئلا يلتحق به الولد المتكون من نطفة غيره.
ومنها: حفظ منزله عما لا ينبغي وعما يكرهه.
ومنها: حفظ ماله عن الضياع.
ومنها: حفظ سر زوجها، وما يقع بينه وبينها في الخلوة.
ومنها: حفظ عيبه أن تذيعه، ومن ذلك: المنافرة واللطمة والغضبة ونحوها.
ومنها: ألا تخرج من بيتها إلا بإذنه.
ومنها: ألا تُدخل منزله أحدًا يكرهه إلا بإذنه.
ومنها: أن تلبيه إذا دعاها، وأن تخضع له بالقول إذا خاطبها، وأن تسارع إلى أمره إذا أمرها وإلى نهيه إذا نهاها.
والمرأة الصالحة تعين زوجها على طاعة الله، وتشاركه في الدعوة إلى الله -تعالى- ولو بكلمة طيبة تزيل بها همه وتؤانسه برأيها ومشورتها.
عن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا؛ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .