شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

أصول الحياة السعيدة بين الزوجين (2-2)

أحمد يحيى الشيخ • المرأة والأسرة

وفي حادثة نزول الوحي على الرسول -صلى الله عليه وسلم- قالت عائشة -رضي الله عنها-: فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ -رضي الله عنها- فَقَالَ: ( زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ). فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: ( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ). فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلاَّ وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِى الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (متفق عليه) .

وفي قصة "الحديبية"، عن المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- قال: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَصْحَابِهِ: ( قُومُوا فَانْحَرُوا، ثُمَّ احْلِقُوا ). قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ؛ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ. فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ. فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (رواه البخاري) .

والمرأة الصالحة تطيع زوجها فيما يأمرها به في حدود استطاعتها، فإن هذا مما فضَّل الله به الرجال على النساء، فلا تُغضِب زوجها بقول أو فعل، ولا تضع نفسها في موطن الند له، وربما فسدت بيوت من أجل عناد زوجة، بل عليها أن تطيع زوجها ولا تكثر عناده، فإن كثرة المعارضة والخلاف تولد النفرة والشقاق وتضعف المودة والألفة.

والمرأة لا تكون صالحة إلا إذا كانت مطيعة لزوجها؛ لأن الله -تعالى- قال: ( فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ ) والألف واللام في الجمع يفيد الاستغراق، فهذا يقتضي أن كل امرأة صالحة لا بد أن تكون قانتة مطيعة.

عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَوْ أَمَرْتُ شَيْئًا أَنْ يَسْجَدَ لِشَيْءٍ لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ تُؤْدِي المَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّي حَقَّ زَوْجِهَا ) (رواه ابن ماجه وابن حبان واللفظ له، وصححه الألباني) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) .

عن حصين بن محصن أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَاجَةٍ فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا فَقَالَ لَهَا: ( أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ ). قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ( فَأَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؟ ). قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلاَّ مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: ( انْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) .

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَتْ لَهُ قُرْحَةٌ فَلَحِسَتْهَا؛ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .

والمرأة الصالحة هي التي تشكر لزوجها وتعرف له حقه ولا تنسى فضله حتى لو أساء إليها مرة، فإن كفران العشير جعل أكثر أهل النار من النساء، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في حادثة الكسوف: ( وَأُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ ). قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( بِكُفْرِهِنَّ ). قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟! قَالَ: ( يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ) (متفق عليه) ، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى امْرَأَةٍ لاَ تَشْكَرُ لِزَوْجِهَا وَهِيَ لاَ تَسْتَغْنِي عَنْهُ ) (رواه النسائي في السنن الكبرى والبزار، وصححه الألباني) .

ومن أجمل ما نقل حول وصية الزوجة في معاملة زوجها : ما أوصت به الجاهلية أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس لما حُمِلت إلى زوجها، فقالت لها: "أيْ بنية، إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما إليها؛ كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال.

أي بنية، إنك فارقت الجو الذي منه خرجتِ، وخلفت العش الذي فيه درجتِ، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيبًا ومليكًا، فكوني له أمة يكن لك عبدًا وشيكًا.

يا بنية احْمِلِي عني عَشْرَ خِصَالٍ تكن لك ذُخْراً وذِكْرًا:

الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة.

والتعهُّد لموقع عينه، والتفقُّد لموضع أنفه، فلاَ تَقَع عينُه منك على قبيح، ولاَ يشم منك إلاَ أطيبَ ريح، والكحلُ أحسنُ الحسن، والماء أطيبُ الطيب المفقود.

والتعهد لوقت طعامه، والهدو عنه عند منامه، فإن حَرَارة الجوع مَلْهبة، وتنغيص النوم مَغضبة.

والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم جميل حسن التدبير.

الصفحة السابقة الصفحة التالية