شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قراءة في كتاب "تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر"

محمد سرحان • قرأت لك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ارتبط بأذهان الكثيرين صعوبة اللغة العربية وجمودها وذلك لأسباب عدة، منها: الجهود الكبيرة المضنية لأعداء الإسلام وأعداء هذه الأمة؛ للنيل من اللغة وتشويه صورتها بشتى الطرق والأساليب؛ وذلك لإبعاد الأمة عن هويتها وطريق ثقافتها، والفصل بينها وبين تراث الأجداد، وهذا بلا شك أحد العوامل القوية المؤثرة في هدم الأمة وإبعادها عن دينها؛ وإلا فكيف يُفهم القرآن والسنة وأقوال العلماء وكتب الفقه والحديث وغيرها بدون معرفة اللغة العربية؟! فلا يستطيع المسلم فهم دينه وأحكامه إلا بمعرفة اللغة العربية، وكم عانت الأمة من عُجمة أبنائها!

ومنها: سياسات تعليمية فاشلة، ومناهج دراسية تزيد الأمر تعقيدًا، ومعلم للغة يجهل منها أكثر مما يعلم، لا يجيد الحديث بها ولا تدريسها، ولا يعرف كيفية إعراب جملة ليست من أمثلة الكتاب المقرر؛ فضلاً عمن يهاجم اللغة ممن هم من العرب والمفترض أنهم يتكلمون بلغة العرب.

وفي الوقت الذي تحاول فيه كل أمة بعث الحياة في لغتها حتى وإن اندثرت أو كانت لغة عقيمة جافة أو كلماتها أشبه بشخير النائم نجد من المسلمين من يحاول إماتة اللغة العربية، وبعث العامية التي لا أصول لها ولا قواعد ولا ضوابط، بل حتى ولا ثبات!

إننا بغير لغتنا العربية كجسد مقطوع اليد والقدم فلا يستطيع الحراك، جسد مشلول عن الحركة والإبداع والتقدم.

ولا تعجز اللغة العربية عن مواكبة العلم والتقدم والحضارة، ومن يزعم أن لغة العلم والحضارة الآن هي اللغة غير العربية فهذا ليس عيبًا في اللغة ولا عجزًا منها، ولا دخل لها فيه؛ فإن المشكلة فينا لا فيها، ومنا لا منها؛ فنحن الذين تخلفنا وعجزنا، ولقد ظلت العربية لغة العلم قرونًا حين حَكمت شريعة القرآن الدنيا، وكانت علامة المدنية والحضارة عند الأوروبيين أن يتكلم أحدهم باللغة العربية، وكان ملوكهم يرسلون أبناءهم؛ ليتعلموا العلم من المسلمين، ومنه تَعَلـُّم لغتنا العربية حتى غاظ ذلك القساوسة والرهبان؛ فحذروا من ذلك بإصدار قرارات الطرد والإبعاد لمن يتحدث العربية.

إن لغة القرآن لا تعجز أبدًا عن بعض المصطلحات الفيزيائية أو الكيمائية أو الطبية أو غيرها من فروع العلم، ولله در حافظ إبراهيم حين قال نيابة عن اللغة:

وسعتُ كتاب الله حـفـظـًا وغـاية وما ضـقـت عن آي به وعـظـات

فكيف أضيق اليـوم عـن وصـف آلة وتـنسيق أسماء لمخـترعـات

أنا البحر في أحشائه الدر كامن فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

إلى أن قال:

أرى لرجـال الغـرب عزًا ومنعة وكم عـــز أقـوام بعـز لـغـات

أتـوا أهـلها بالمعـجـزات تـفنـنـًا فيا ليـتـكم تـأتـون بالكـلمـات

أيطربكم من جانب الغرب ناعب ينادي بوأدي في ربيع حياتي

إلى آخر قصيدته الرائعة على لسان اللغة العربية.

والدعوة إلى أن تكون العامية لغة الكتابة والحوار والصحافة والإعلام دعوة في غاية الخطورة على أمتنا؛ بل على ديننا، ورحم الله الدكتور "عبد الرحمن الباشا" حين كتب كتابه القيم الذي عنوانه يدل على محتواه وقيمة فائدته التي احتواها: "العدوان على العربية عدوان على الإسلام".

وقد كانت هناك تجربة رائعة في هذا المجال للدكتورة "نفوسة زكريا سعيد" في كتابها الماتع: "تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر"؛ الكتاب الذي أشاد به العلامة اللغوي الكبير الدكتور "محمود محمد شاكر" -رحمه الله-، في كتابه: "أباطيل وأسمار"، فكان مما قال:

"وهذا الكتاب النفيس من تأليف الدكتورة "نفوسة زكريا سعيد" المُدَرِّسة بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية، والجهد المبذول في جمع مادة هذا الكتاب جهد يدل على التجرد الصحيح السليم في طلب المعرفة، وعلى الصدق في السعي إلى الحقيقة، وعلى النفاذ في إدراك الحقائق، وعلى الصبر في معاناة التنقيب بلا كلل ولا ملل.

ولا أظنني قرأت منذ سنوات طوال كتابًا يتناول المسائل العامة في حياتنا الحديثة بَذل فيه صاحبه من الوقت والجهد والأناة ما بذلته الدكتورة نفوسة في كتابها هذا، ولا أظنني قرأت أيضًا في هذا الدهر كتابًا ينبغي لكل عربي وكل مسلم أن يقرأه من ألفه إلى يائه يضارع هذا الكتاب! وحسبها أنها استطاعت أن تجلو للناس صورة صحيحة صادقة مؤيدة بالأسانيد بلا تزيّد ولا كذب ولا ادِّعاء عن أكبر معركة تدور في العالم العربي والإسلامي؛ وهي: معركة البناء أو الهدم، معركة الحياة أو الموت، معركة الحرية أو الاستعباد، معركة وحدة العرب والمسلمين بلغة عربية واحدة هي لغة الفصحى أو تفرُّق العرب والمسلمين أشتاتًا بلغات متنابذة هي العامية.

ولو كان لي من الأمر شيء لأَمرتُ أن يطبع هذا الكتاب ليكون في يد كل شاب وشابة، وكل رجل وامرأة، ويكون له مختصر ميسر لكل من مكَّنه الله -تعالى- من القراءة، ولَستُ أريد الإغراق في الثناء وإخلاء الكتاب من كل عيب، ولكني أراه كتابًا صالحًا لكل مثقف يجد فيه مادة صحيحة لتاريخ معركة قاسية خبيثة، إذا وقانا الله شرها باليقظة فقد نجونا من المحنة الساحقة، وإذا أسأنا فابتلينا بتمام الغفلة؛ فذلك ذل الأبد -ولا حول ولا قوة إلا بالله وحده-". أباطيل وأسمار،125-126 .

ويكفي هذه الشهادة لبيان قيمة ومكانة هذا الكتاب من رجل في مكانة الدكتور "محمود شاكر"، وفي كلامه بيان لخطورة معركة إقصاء الفصحى وإحلال العامية بدلاً منها، وهي معركة قد عاشها وخاضها واكتوى بنارها.

وهذا الكتاب هو الرسالة التي تقدمت بها الدكتورة "نفوسة زكريا" لنيل درجة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة الإسكندرية.

ابتدأت رسالتها ببيان خطتها ومنهجها في هذه الدراسة وهذا البحث، وقدمت لها بتمهيد بديع بدأت فيه بتعريف الفصحى والعامية ووجود اللهجات عند العرب منذ أقدم عصورهم، إلا أن اللهجة القرشية استطاعت أن تتغلب على لهجات القبائل المتعددة؛ بفضل ما كان لأهلها من سلطان ديني واقتصادي وسياسي، وما كان لها من تفوق على سائر اللهجات العربية من حيث غزارة المادة ورقة الأسلوب والقدرة على التعبير في مختلف فنون القول؛ ترتب على ذلك أن أصبحت لغة الأدب عند جميع القبائل العربية.

الصفحة التالية