قراءة في كتاب "تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر"
محمد سرحان • قرأت لك
ولما انتشر الإسلام وامتدت فتوحاته ازداد اختلاف لهجات المحادثة؛ بسبب اختلاط العرب بالأعاجم، وانتقال العربية إلى الأمصار، واختلاف القبائل العربية النازلة بتلك الأمصار، واختلاف الشعوب الأعجمية المجاورة لها.
وكان من أول مظاهر الابتعاد عن الفصحى: اللحن، وهو أول أدواء العامية -"واللحن هو الخطأ أو الميل عن الصواب، والمقصود هنا الخطأ في اللغة"-، ورويت أخبار عن ظهوره منذ القرن الأول في عصر الدولة الأموية، واستهجان خلفائها وولاتها وأدبائها له؛ فقد روي أن "عبد الملك بن مروان" كان يحذر أبناءه من اللحن؛ لأنه كان يرى "أن اللحن في منطق الشريف أقبح من آثار الجدري في الوجه، وأقبح من الشق في ثوب نفيس"، وروي أيضًا أنه لم يستعمل صيغـًا ملحونة حتى في المزاح، وأنه كان يقدر الدقائق اللغوية حق قدرها، وكان ابنه "مَسْلَمَة" يمقت السائلين -المتسولين- الذين يلحنون في لغتهم، ولم يكن "الحجاج" يحرص على أن ينطق عربية ناصعة فحسب؛ بل كان يلزم بها المتصلين به.
ومدح "رؤبة" "بلال بن أبي بردة" قاضي البصرة: "فزت بقدحي معرب لم يلحن"، وذم "يحيى بن نوفل الحميري" "خالد بن عبد الله القسري" والي العراق للحنه؛ فقال فيه: "وألحن الناس كل الناس قاطبة..."، وكان يولع بالتشديق في الخطب.
وما سقناه يبين تعظيمهم للغة العربية وتقديرهم لأهلها، ولما ازدادت الأدواء التي طرأت على اللسان العربي من أثر اللحن والتحريف والدخيل اتجه علماء اللغة إلى كلام العامة محاولين إصلاحه لا تدوينه، وألفوا في ذلك عشرات الكتب مُنبِّهين إلى لحن العوام أو الخواص الذين تطرق الفساد إلى لغتهم.
ثم بدأت بعد ذلك في أول أبواب الرسالة: "الدعوة إلى العامية في أصولها الأولى من مصادرها الأجنبية"، وهو الباب الأول من خمسة أبواب هي مجموع أبواب الكتاب، وقد نهجت الباحثة في كل الأبواب إلى تقسيمها إلى فصول، فالباب الأول ثلاثة فصول ذكرت فيه المؤلفات الأجنبية التي تناولت دراسة اللهجة المصرية "العامية"، والتي حاولت أن تقدمها لنا في أثواب علمية انطوت جميعها على أهداف مغرضة لا تمت إلى العلم بنسب.
لقد اهتم الأوروبيون بدراسة اللهجات العربية المحلية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فأدخلوا دراستها في مدارسهم وجامعاتهم، واهتموا بالتأليف فيها واستعانوا بداية بأبناء العربية الذين يعملون في بلادهم سواء في تدريسها أم في التأليف فيها، إلى أن توفرت لهم الوسائل فأخذوا يؤلفون بأنفسهم في كل لهجة من اللهجات العربية؛ ولكن مؤلفاتهم في اللهجة المصرية هي التي وضحت فيها أهدافهم الحقيقية من دراسة اللهجات العربية والمحلية، وهذه المؤلفات على اختلاف موضوعاتها قد اتحدت في هدف واحد هو السعي لإقصاء العربية الفصحى عن الميدان الأدبي وإحلال العامية محلها، وقد أجادت الدكتور نفوسة في توضيح ذلك بدراسة هذه المؤلفات وبيان ما فيها مع الكشف عن الجهود الأوروبية لأن يكون للعامية أدب مدون، هذه الثغرة التي تحول بين العامية وبين الظهور والرواج في الميدان الأدبي؛ فتتبعت هذه الجهود والمحاولات في الفصلين الثاني والثالث من هذا الباب.
والباب الثاني: خصص عن نشأة وتاريخ الصراع بين الفصحى والعامية، وقد عُنوِن بـ: "الدعوة إلى العامية في مرحلتها الثانية على ألسن العرب في مصر"، وهذا الباب الذي يظهر فيه بوضوح أن الدعوة إلى العامية لم يكن لها وجود قبل مناداة الأوروبيين بها.
وأن الذين كتبوا بالعامية قبل انتشار الدعوة الأوروبية إلى العامية والتي فكروا في ضبطها واستخدامها في الكتابة إنما أرادوا تثقيف العامة والترفيه عنهم على أن تظل للفصحى مكانتها في الميدان الأدبي، هذا فارق كبير بين هدفهم وهدف الأوروبيين.
وقد قامت الدكتورة ببحث ذلك في المؤلفات والمجلات والصحف التي تناولت هذا الموضوع، ولم تقف المعركة بين الفصحى والعامية عند مجال دون مجال، أو أن تقتصر على الصحف أو المجالات أو القصة وإنما كان لها الأثر حتى في مجال الدراسات اللغوية حيث أصبحت العامية والفصحى على حد سواء موضع اهتمام الباحثين، وهذا كان مجال الحديث في الباب الثالث عن المؤلفات التي تناولت دراسة العامية استجابة لرغبات أجنبية، وكيف أثارت الدعوة إلى العامية اهتمام الباحثين بدراسة الفصحى إلى تذليل ما فيها من الصعوبات، وتيسير نحو العربية وتيسير كتابتها ومادتها.
ثم خصصت المؤلفة الباب الرابع لأثر الدعوة إلى العامية في انتشار المؤلفات المدونة بالعامية، وتناولت بالدراسة: العامية في كتب المفاكهة والمسامرة، والعامية في المسرحية، والعامية في القصة، والعامية في الزجل.
وأما الباب الخامس فقد كان مسك الختام بحق وإعادة البسمة إلى شفاه محبي العربية ومحبي أمتهم ودينهم:
"التجربة ترد للفصحى اعتبارها".
خصص هذا الباب لتجارب رواد أدبنا الحديث الذين مارسوا الكتابة بالفصحى والعامية وخرجوا من طول المراس بنتائج هي الدليل القاطع الذي يحسم النزاع بين الفصحى والعامية.
هذه في عجالة إطلالة سريعة في هذا الكتاب الماتع، وهذه إشارات إليه فمن الصعب تبيين كل ما فيه، وقد قاربت صفحاته على الخمسمائة، وحسبي أني أحيل القارئ إليه، وأدله عليه؛ ليقطف من جناه.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه.