شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

العقيدة في الصحابة والخلافة والإمامة (2-2) فضل الصحابة

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال الله -تعالى-: ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:100) ، فبين الله - تعالى- فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار،وهم على أصح الأقوال: الذين أسلموا قبل صلح الحديبية، كما قال - تعالى-: ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (الحديد:10) ، والفتح -على أصح الأقوال- هو: فتح صلح الحديبية، وقيل هو: فتح مكة، وقيل -أيضًا- في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: هم من صلى إلى القبلتين، أي: من أسلم قبل تحويل القبلة، وهذا الذي ذكره أهل العلم من أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم: الذين أسلموا قبل الحديبية هو الصحيح؛ لدلالة القرآن على ذلك، ومدح الله الذين اتبعوهم بإحسان، ولا يسمى تابعًا لهم إلا من أتى بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فدل ذلك على ثباتهم على الإيمان؛ لأن الله - تعالى- لا يتكلم في حق من يعلم أنهم يرتدون، أو يفجرون، أو يفسقون -كما زعم الشيعة الضلال- بمثل هذا الكلام، ولا يمدح من يتبعهم، وهو العليم الحكيم.

ويخبر الله - تعالى- أنه: ( وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة:100) ، وهذا دليل على أنهم يثبتون على الإيمان، ولا ينحرفون عنه بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم-.

والشيعة يزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم قبل ردتهم، وهذا لا يمكن أن يكون، فإن الله -تعالى- امتدح الذين اتبعوهم بإحسان كما امتدح الذين جاءوا من بعدهم، كما قال - تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر:10) .

فتبين بذلك سلامة قلوب أهل السنة وألسنتهم لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، ليس فيها غل ولا حقد لهم، بل على ألسنتهم الدعاء، وفي قلوبهم المحبة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، وفي قلوبهم وألسنتهم الشهادة لهم بالإيمان بنص القرآن، بخلاف من أمروا بالاستغفار لهم؛ فإذا بهم يسبونهم.

لذلك؛ نقول: قد مدح الله - تعالى- الذين جاءوا من بعدهم، وهو - تعالى- يعلم الغيب، ومدح الذين يمتدحون الصحابة، ويشهدون لهم بالإيمان، ويشهدون لهم بالسبق، كما قال - تعالى-: ( وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ ) ، فكيف نقول بعد ذلك: إن هذه الآيات نزلت فيهم إذ كانوا مسلمين، ولكنهم لما ارتدوا لم يكن لهم هذا الفضل؟! نعوذ بالله من هذا التناقض الفظيع والتكذيب -في الحقيقة- للقرآن، وإن كان لابد أن يبين لصاحب هذا الكلام تكذيبه وتناقضه ذلك؛ لأن أكثرهم لا يعقلون ولا يفهمون، بل حتى لا يعلمون معاني الآيات، وكثير منهم لا يحسن العربية؛ ليفهم هذه المسائل العظيمة.

وقد بين الله - تعالى- فضل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- خصوصًا، حيث قال - تعالى-: ( إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:40) .

وبين - تعالى- رضاه عن الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة فقال - تعالى-: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (الفتح:18) ، وهذا لا يقال إلا في حق من يثبت على الإيمان.

والأدلة على فضلهم في الكتاب والسنة كثيرة مستفيضة وثابتة لا ينازع فيها إلا ضال، قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (متفق عليه) ، وهذا الحديث يدل على أنهم خير الناس بعد الأنبياء، ومعنى: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ) أي: الجيل الذي صحبه - صلى الله عليه وسلم-، وهم أصحابه المؤمنون منهم قطعًا، (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) فالتابعون، ثم تابعو التابعين، هم أفضل هذه الأمة في الجملة.

مسألة: هل هذا يقتضي تفضيل كل واحد من الصحابة على كل واحد ممن أتى بعدهم، أو كل واحد من التابعين على كل واحد ممن أتى بعدهم، وكذا في تابعي التابعين، أم هو تفضيل في الجملة؟

نقول: أما السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار فلا شك في سبقهم، كما قال - تعالى-: ( وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (الجمعة:3-4) ، والله أعلى وأعلم، وهؤلاء السابقون هم أفضل السابقين من هذه الأمة، ويوجد سابقون بعدهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: ( فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنْ أُمَّتِي سَابِقونَ ) (رواه أبو نعيم في الحلية 1/8، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2001) ، وقال - تعالى- عن السابقين المقربين: ( ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ ) (الواقعة:14-13) ، والراجح أن كليهما من هذه الأمة، أي: ثلة من الأولين من هذه الأمة، وقليل من الآخرين من هذه الأمة.

الصفحة التالية