الإسلام دين العدل
محمد القاضي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن العدل هو الغاية التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ قال -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (الحديد:25) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط، وهو: العدل الذي به قامت السماوات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل وتَبين وجهه بأي طريقٍ كان؛ فثمَّ شرع الله ودينه، والله -تعالى- لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء ونفى غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها، بل بيَّن ما شرعه من الطرق أن مقصوده: إقامة العدل، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استُخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، لا يقال: إنها مخالفة له، فلا تقول: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسةً تبعًا لمصطلحكم، وإنما هي شرعٌ حق...".
فالعدل من الصفات التي اتفقت الشرائع جميعها على وصف الله به، بل الناس جميعًا من أتباع الكتب السماوية يقرون بالعدل الإلهي.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "إنه -سبحانه- العدل الذي لا يجور ولا يظلم، ولا يخاف عبادُه منه ظلمًا، فهذا مما اتفقت عليه جميع الكتب والرسل، وهو من المحكم الذي لا يجوز أن تأتي شريعة بخلافه، ولا يخبر نبيٌ بخلافه أصلاً...".
فمن أسماء الله -تعالى- الحسنى: العدل، فهو -سبحانه- متصف بالعدل المطلق، فهو عادل في أحكامه الدنيوية والأخروية، وهو عادل في حكمه الشرعي والقدري.
قال ابن القيم -رحمه الله- شارحًا لاسم العدل: "ذو العدل على حذف المضاف... وهو من باب إطلاق المصدر على الفاعل؛ لكونه غالبًا عليه مكرَّرا منه، كقولهم: رجلٌ صوْمٌ وعدْلٌ وزور وبابُه...".
قال ابن القيم -رحمه الله-: "قوله: ( ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، متضمن لأصلين عظيمين عليهما مدار التوحيد، أحدهما: إثبات القدر وأن أحكام الرب -تعالى- نافذة في عبده ماضية فيه لا انفكاك له عنها ولا حيلة له في دفعها، والثاني: أنه -سبحانه- عدل في هذه الأحكام غير ظالم لعبده، بل لا يخرج فيها عن موجب العدل والإحسان، فإن الظلم سببه حاجة الظالم أو جهله أو سفهه، فيستحيل صدوره ممن هو بكل شيء عليم، ومن هو غني عن كل شيء وكل شيء فقير إليه، ومن هو أحكم الحاكمين، فلا تخرج ذرة من مقدوراته عن حكمته وحمده، كما لم يخرج عن قدرته ومشيئته، فحكمته نافذة حيث نفذت مشيئته وقدرته". فهو -سبحانه- إن عاقب فبعدله، وإن أثاب فبمحض فضله وجُوده وكرمه.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلا تناقضُ حكمتُه رحمتَه، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، ويضع عقوبته وعدله وانتقامه وبأسه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم، فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه ورحمته موضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته، ولا يلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله -تعالى- أن الأمرين بالنسبة إليه على حد سواء، ولا فرق أصلاً، وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة".
والله -تعالى- لا يعذب الكفار يوم القيامة إلا بعد إقرارهم على أنفسهم، وشهادة الفطرة والوحي عليهم.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "إن الله -سبحانه- لكمال رحمته وإحسانه لا يعذب أحدًا إلا بعد إرسال الرسول إليه، وإن كان فاعلاً لما يستحق به الذم والعقاب، فلله على عبده حجتان قد أعدهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما:
إحداهما: ما فطره عليه وخلقه عليه من الإقرار بأنه ربه ومليكه وفاطره وحقه عليه لازم.
والثانية: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله، فيقوم عليه شاهد الفطرة والشِّرعة، ويقر على نفسه بأنه كان كافرًا، كما قال -تعالى-: ( وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ) (الأنعام:130) ، فلم ينفذ عليهم الحكم إلا بعد إقرارٍ وشاهدين، وهذا غاية العدل".
ومن كمال عدل الله -تعالى-: أنه لا يظلم مثقال ذرة يوم القيامة، فهو -سبحانه- يحكم بين عباده ويعطي لكل ذي حق حقه بفضله وجوده ورحمته وكرمه، حقـًّا أوجبه -سبحانه- على نفسه، ويعاقب من شاء بعدله، ولا يظلم أحدًا من خلقه، فهو يعدل بينهم على تباعد أزمنتهم وأمكنتهم، وتنوع أوضاعهم وحالاتهم، واختلاف شرائعهم ومللهم، وتباين مستوياتهم وأعذارهم، ولا يقدر على ذلك إلا الله -سبحانه-.
وقد أمر الله به عباده في آيات كثيرة من كتابه العزيز وبين محبته لأهله، فقال -عز وجل-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل:90) ، وقال -سبحانه-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) (النساء:58) .
وقال -سبحانه- مبينًا وجوب العدل في كافة الأحوال دون مراعاة لقرابة أو عرف أو غير ذلك من الاعتبارات الأرضية الجاهلية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) (النساء:135) .