الإسلام دين العدل
محمد القاضي • المنهج السلفي
يقول الإمام ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط أي: بالعدل دون أن تأخذهم في الله لومة لائم. ( شُهَدَاءَ لِلَّهِ ) أي: أدوها ابتغاء وجه الله؛ فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًا. ( وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ ) أي: اشهد بالحق ولو عاد ضررها عليهم أو على الوالدين والأقربين، لا تراعهم فيها. ( إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ) أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقر، فالله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك وأعلم بما فيه صلاحهما. ( فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ) أي: لا يحملنكم الهوى والمعصية وبغض الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (المائدة:8) ".
إنها أمانة القيام بالقسط -على إطلاقه- في كل حال وفي كل مجال، القسط الذي يمنع البغي والظلم في الأرض، والذي يكفل العدل بين الناس، والذي يعطي كل ذي حقه حقه من المسلمين وغير المسلمين، ففي هذا الحق يتساوى عند الله المؤمنون وغير المؤمنين، ويتساوى الأقارب والأباعد، ويتساوى الأصدقاء والأعداء، ويتساوى الأغنياء والفقراء.
وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المناوئين كما يكفله لهم هذا الدين، لقد نزلت آيات من القرآن؛ لتنقذ رجلاً يهوديًّا من تهمة توجه إليه مع كيد يهود للإسلام وللنبي -صلى الله عليه وسلم- وأتباع دينه بكل ما في جبلتهم من الرغبة في الشر وكراهية الخير للناس، وينصفه من رجل مسلم من قبيلة الأنصار، الأنصار الذين آووا ونصروا، وقدموا أرواحهم، وأموالهم في سبيل الله.
والقصة كما ترويها كتب التفاسير: أن نفرًا من الأنصار.. غزوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار، فتفنن هو وقومه في إخفاء السرقة بحيث يتهم فيها أحد اليهود من أهل المدينة، وحين يقع مثل هذا الحدث في أي شعب من الأرض، وفي أي حقبة من التاريخ، فليس له نتيجة متوقعة إلا الأخذ بتلابيب ذلك الشخص الذي ينتمي إلى مثيري الشغب، والإسراع بتطبيق العقوبة المقررة عليه، إن لم يكن التنكيل به شر تنكيل؛ لأنه -فوق انتمائه إلى فئة معادية للشعب- قد ارتكب جريمة محددة يستحق عليها العقوبة.
وحين فحص الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو القاضي ظروف القضية فقد همَّ -حسب القرائن- أن يحكم على اليهودي، ولكن الوحي يتنزل من السماء؛ لتبرئة ذلك اليهودي من الجريمة التي لم يرتكبها، وإدانة المسلمين الذين أرادوا أن يفلت جانبهم من العقوبة؛ فنزل قول الله -تعالى-: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا . وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا . وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا . يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا . هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا ) (النساء:105-109) .
لقد بلغ أصحاب رسول الله -رضوان الله عليهم- الذروة في تحقيق العدل في واقع الأرض، ولم يكن ذلك مجرد وصايا، ولا مُثُل عليا لا تتحقق، ولكنها كانت واقعًا من واقع حياتهم اليومية؛ واقعًا لم تشهد البشرية مثله من قبل ولا من بعد، ولم يعرف ذلك المستوى إلا في تلك الحقبة المنيرة.
والأمثلة التي وعاها التاريخ في هذا المجال كثيرة مستفيضة، فمن تلك النماذج الرائعة أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- افتقد درعًا كانت عزيزة عنده؛ فوجدها عند يهودي، فقاضاه إلى قاضيه شريح... وعلي يومئذ هو الخليفة "أمير المؤمنين"؛ فسأل شريح أمير المؤمنين عن قضيته؛ فقال: "الدرع درعي، ولم أبع ولم أهب".
فسأل شريح اليهودي: "ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟".
فرد هذا متلاعبًا: "الدرع درعي! وما أمير المؤمنين عندي بكاذب" يريد أن يمسك العصا من منتصفها "فيلتفت شريح إلى أمير المؤمنين: "هل من بينة؟!".
إنه هكذا العدل! البينة على من ادعى.. وهذه دعوى إلى القضاء لابد فيها من البينة، وإن تكن مرفوعة من علي -رضي الله عنه-، الذي لم يُعرف عنه كذب قط، والذي لا يعقل أن يكذب على الله من أجل درع، وهو المستعلي على كل متاع الأرض!
ولكن جواب علي -رضي الله عنه- كان أروع إذ قال: "صدق شريح.. مالي بينة!".
لم يغضب! لم يقل للقاضي: كيف تطلب البينة وأنا صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!
وكان موقف شريح موقفًا رائعًا كموقف أمير المؤمنين.. لقد حكم بالدرع لليهودي؛ لعدم وجود البينة عند المدعي -أمير المؤمنين!-، وأخذ الرجل الدرع ومضى وهو لا يكاد يصدق نفسه! ثم عاد بعد خطوات ليقول: "يا لله!! أمير المؤمنين يقاضيني إلى قاضيه؛ فيقضي عليه؟ إن هذه أخلاق الأنبياء! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-! الدرع درعك يا أمير المؤمنين، خرجت من بعيرك الأورق؛ فاتبعتها فأخذتها. فيقول علي -رضي الله عنه-: "أما إذا أسلمت؛ فهي لك!".
ومن الأمثلة الرائعة -أيضًا-: "ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فرسًا من رجل من الأعراب ودفع له ثمنه، ثم ركب فرسه ومضى به، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلاً حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري، فانثنى به عائدًا من حيث انطلق، وقال للرجل: "خذ فرسك، فإنه معطوب!".