الإسلام دين العدل
محمد القاضي • المنهج السلفي
ولو وفق هؤلاء؛ لقيدوا مساواتهم تلك ولم يُطلقوها، فقالوا مثلاً: "الناس متساوون في الخلقة، أو متساوون في حب زينة الحياة الدنيا، أو في كراهية الظلم..." الخ... مما جاءت الشريعة بتقرير المساواة فيه بين الناس.
وقُلْ مثل ذلك في قضية الرجل والمرأة؛ فتقيَّد المساواة ولا تُطلق؛ فيقال مثلاً: "المرأة مساوية للرجل في التكليف، أو في الجزاء الأخروي"، وهكذا... مما جاءت الشريعة بتقرير مساواتهما فيه.
أما الإطلاق فلا.. لأنه يُلبِّس على الناس، ويعارض قضاء الله وأحكامه -كما سبق-، فالواجب أن تُستبدل عبارة: "الإسلام دين المساواة" بعبارة: "الإسلام دين العدل"؛ لأن العدل: وضع الشيء في موضعه الذي أراده الله له، دون مجاوزة أو نقص.
قال الشيخ ابن العثيمين -رحمه الله- في "شرح العقيدة الواسطية 1/ 180-181": "إنَّ من الناس من يستعمل بدل العدل المساواة، وهذا خطأ، لا يقال: مساواة؛ لأن المساواة تقتضي التسوية بين شيئين الحكمة تقتضي التفريق بينهما، ومن أجل هذه الدعوة الجائرة إلى التسوية صاروا يقولون: أي فرق بين الذكر والأنثى؟ سووا بين الذكور والإناث، حتى إن الشيوعية قالت: أي فرق بين الحاكم والمحكوم؟ لا يمكن أن يكون لأحد سلطة على أحد حتى بين الوالد والولد، ليس للوالد سلطة على الولد، وهلمَّ جرّا.
لكن إذا قلنا بالعدل وهو: "إعطاء كل أحدٍ ما يستحقه"؛ زال هذا المحظور، وصارت العبارة سليمة، ولهذا لم يأتِ في القرآن أبدًا: "إن الله يأمر بالتسوية"، لكن جاء: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ) (النحل:90) ، ( وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ) (النساء:58) .
وكذب على الإسلام مَن قال: إن دين الإسلام دين المساواة، بل دين الإسلام دين العدل، وهو: الجمع بين المتساوين والتفريق بين المفترقين.
أما أنه دين مساواة فهذه لا يقولها مَن يعرف دين الإسلام، بل الذي يدلك على بطلان هذه القاعدة أن أكثر ما جاء في القرآن هو نفي المساواة: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) (الزمر:9) ، ( هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ) (الرعد:16) ، ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ) (الحديد:10) ، ( لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ... ) (النساء:95) ، ما جاء ولا حرف في القرآن يأمر بالمساواة أبدًا، إنما يأمر بالعدل، وكلمة العدل -أيضًا- تجدونها مقبولة لدى النفوس، فأنا أشعر أن لي فضلاً على هذا الرجل بالعلم، أو بالمال، أو بالورع، أو ببذل المعروف، ثم لا أرضى بأن يكون مساويًا لي أبدًا" اهـ كلامه -رحمه الله- .
ولعله يتيسر في مقام آخر أن نبين بعض التفاصيل في الشريعة الغراء التي توضح أن العدل ليس في المساواة، بل ما جاءت به الشريعة من التفريق هو عين العدل والحكمة.
وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- معرِّفـًا العدل: "إن الله إنما ضرب لكم الأمثال، وصرف لكم القول؛ لتحيا القلوب، فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئًا؛ فلينفع به، إن للعدل أماراتٍ وتباشير، فأما الأمارات: فالحياء، والسخاء، والهين، واللين. وأما التباشير: فالرحمة. وقد جعل الله لكل أمر بابًا، ويسَّر لكل بابٍ مفتاحًا، فباب العدل: الاعتبار، ومفتاحه: الزهد، والاعتبار: ذكر الموت، والاستعداد بتقديم الأموال. والزهد: أخذ الحق من كل أحدٍ قبله حقٌ، والاكتفاء بما يكفيه من الكفاف، فإن لم يكفه الكفاف؛ لم يغنه شيءٌ... ".
وقال سعيد بن جبير -رحمه الله- في جوابٍ لعبد الملك عن العدل: "العدل على أربعة أنحاء: العدل في الحكم؛ لقوله -تعالى-: ( وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ) (المائدة:42) ، والعدل في القول؛ لقوله -تعالى-: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُواْ ) (الأنعام:152) ، والعدل في الفدية؛ لقوله -تعالى-: ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ ) (البقرة:123) ، والعدل في الإشراك؛ قال -تعالى-: ( ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ ) (الأنعام:1) ".
وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "إذا دعتك قُدرتك على ظلم الناس؛ فاذكر قدرة الله -تعالى- عليك، ونفاد ما تأتي إليهم، وبقاء ما يأتون إليك".
وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة".
ويُروى: الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة.
هذا ما تيسر بيانه عن هذا المعنى العظيم من معاني الشريعة.
وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم.